
ضربة قلم
ليست قضية مصفاة المحمدية، مجرد ملف صناعي عالق في رفوف المحكمة، بل رواية طويلة عن مدينة فقدت نبضها، وعن اقتصاد، فقد أحد شرايينه، وعن سياسة ظلت تمشي بمحاذاة النار دون أن تمسها.
وحين يُطرح سؤال استقالة عميد أصحاب شركات توزيع المحروقات من زعامة حزبه، لا يعود السؤال حزبياً صرفاً، بل يتحول إلى سؤال نفطي بامتياز:
هل تكون تلك الاستقالة بداية نفض اليد من السياسة؟
وهل تعني، ضمناً، رفع الفيتو غير المعلن، عن آخر فرصة لعودة الروح الإنسانية والاقتصادية إلى المحمدية… ومعها طبعاً سامير؟
هكذا يعود هذا الملف، بعد خمسة عشر عاماً من الانتظار، إلى واجهة الجدل، لا باعتباره قضية إفلاس فقط، بل باعتباره مرآة لعلاقة معقدة بين الاقتصاد والقرار السياسي، وبين السوق والمصلحة العامة، وبين النفط والسلطة.
دخلت سامير منعطفاً جديداً بعد إعلان شركة إم جي إم إنفستمنت ليمتد الإماراتية رغبتها في الاستحواذ على أصول المصفاة المتوقفة، مقابل عرض مالي ضخم بلغ 3.5 مليار دولار، وهو مبلغ يفوق بكثير السقف الذي سبق أن حدده القضاء بحوالي ملياري دولار.
عرض وُصف بالاستثنائي، لا لقيمته المالية فقط، بل لأنه أعاد الحياة إلى ملف، ظل مجمداً منذ سنة 2015، وكأنه حكم عليه بالإقامة الجبرية داخل دهاليز المساطر.
ويرى خبراء الطاقة أن هذا الاهتمام الإماراتي، قد يشكل منعطفاً استراتيجياً للمغرب، في زمن تتقلب فيه أسعار المحروقات كما تتقلب الرياح في عرض البحر، إذ إن عودة التكرير تعني تقليص التبعية للأسواق الخارجية، واسترجاع جزء من السيادة الطاقية التي ضاعت مع توقف المصفاة.
غير أن المال وحده لا يكفي لإيقاظ المصافي من سباتها الطويل.
وهنا تتجه الأنظار إلى المحكمة التجارية بالدار البيضاء وإلى الحكومة المغربية، باعتبارهما الحارسين الأخيرين لهذا الباب: باب العودة أو باب الإقفال النهائي.
عودة سامير، إن تحققت، لا تعني فقط دوران العجلات داخل مصنع، بل تعني عودة آلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة، وتعني إعادة التوازن لسلسلة الإمداد بالوقود، وتعني قبل ذلك إعادة الاعتبار لمدينة المحمدية التي تحولت، منذ توقف المصفاة، إلى جسد بلا رئة صناعية.
لكن خلف هذه الأرقام، يطفو السؤال السياسي بصيغة لا تخلو من حرج:
كيف يمكن فصل ملف سامير عن خريطة سوق المحروقات بالمغرب؟
وكيف يمكن عزله عن نفوذ كبار الموزعين، وفي مقدمتهم عزيز أخنوش، زعيم حزب التجمع الوطني للأحرار، وأحد أبرز وجوه هذا القطاع منذ سنوات؟
منذ توقفت سامير، تغيّر ميزان السوق:
اختفى التكرير المحلي،
وارتفعت هوامش التوزيع،
وأصبح المغرب زبوناً دائماً للأسعار الدولية،
بينما تحولت المحمدية إلى شاهد صامت على زمن صناعي انتهى، نتمنى أن يكون ذلك مؤقتاً في انتظار عودة الروح إلى مداخنها من جديد..
لهذا لا يُقرأ العرض الإماراتي فقط بلغة الاستثمار، بل يُقرأ أيضاً بلغة السياسة والرمز:
هل نحن أمام فرصة حقيقية لإحياء المصفاة؟
أم أمام حلقة جديدة من مسلسل الإرجاء؟
هل ستُكتب لسامير حياة ثانية؟
أم سيُترك جسدها رهينة الحسابات المتقاطعة بين الربح والقرار؟
القضية لم تعد قضية شركة مفلسة، بل قضية من يملك مفاتيح الطاقة، ومن يربح من غياب التكرير، ومن يخسر مدينة كاملة، ومن يدفع ثمن الغموض.
وفي هذا المعنى، تصبح سامير أكثر من مصفاة:
تصبح اختباراً لإرادة الدولة،
وامتحاناً لعلاقة السياسة بالاقتصاد،
ومرآة لحدود الفصل بين السلطة والسوق.
فإما أن يعود الدخان الأبيض إلى مداخن المحمدية، إيذاناً بعودة الحياة إلى شرايينها،
وإما أن يبقى الملف معلقاً، مثل قصيدة غير مكتملة، عنوانها:
كيف توقفت المصفاة… ولم يتوقف السؤال.




