هل فقدت المدرسة دورها التربوي؟ حين تتحول الفصول إلى مجرد مراكز

ضربة قلم
لم تعد المدرسة، كما كانت في الأزمنة الجميلة، ذلك الفضاء الذي تتشكل فيه القيم، وتنضج فيه الأخلاق، وتُصقل فيه العقول. بل صار كثير من التلاميذ، وأولياء الأمور حتى، يتعاملون مع المدرسة باعتبارها مجرد محطة عبور نحو شهادة ما، وظيفة ما، أو في كثير من الأحيان، “لا شيء محدد” سوى اجتياز الزمن.
في الماضي، كان المعلم شخصية شبه مقدسة في محيطه، مهابًا، محترمًا، يُنظر إليه كقدوة، بل كسلطة تربوية وأخلاقية. أما اليوم، فقد أصبحت المدرسة مسرحًا للفوضى، والمعلم هدفًا للكاميرا قبل أن يكون مصدرًا للمعرفة. صار مطلوبًا منه أن يؤدي دور الشرطي والممرض والمرشد النفسي و”البهلوان” في آنٍ واحد، دون أن يحصل على الاحترام أو المقابل المادي الذي يوازي هذا الضغط المركّب.
المعضلة ليست فقط في الأجور أو في ضعف التكوين، بل في تآكل المشروع التربوي نفسه. لم يعد هناك حديث عن “بناء الإنسان”، بل عن “معدلات النجاح”، و”نسب التمدرس”، و”عدد الحاصلين على البكالوريا”، وكأننا في معمل للإنتاج الرقمي لا في فضاء لصناعة الإنسان.
أما الآباء، فكثير منهم صاروا يرون في المدرسة عبئًا يجب التخلص منه بسرعة، واللجوء إلى “الدروس الخصوصية” أو “اليوتيوب” كبدائل أسرع وأضمن، وإن كانت أقل عمقًا. والأدهى أن المجتمع كله يتواطأ في هذه المهزلة الصامتة، فلا أحد يجرؤ على طرح السؤال الجوهري: ماذا نريد من المدرسة؟ وهل نحن فعلاً نُعدّ أطفالنا للحياة؟ أم فقط نُعدّهم للامتحان؟
إن أزمة التعليم في بلداننا ليست فقط في المناهج أو البنية التحتية، بل في الفلسفة التي تقف خلف كل ذلك. فحين نُفرغ المدرسة من بعدها التربوي والإنساني، ونحوّلها إلى ورشة ضخمة لإنتاج نقط وشهادات، فإننا نخسر ما لا يمكن تعويضه: جيل بلا بوصلة.




