
ضربة قلم
السؤال لم يعد بريئًا، ولا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد انطباع عابر، أو قراءة عاطفية لمشهد احتفالي في جنوب فلوريدا. فحين تهتف معارضة بلدٍ نفطيٍّ بحجم فنزويلا لعملية عسكرية أمريكية، أطاحت برئيس منتخب – مهما كانت المآخذ عليه- من قلب بلده، فإن السياسة هنا تتجاوز خطاب “الحرية” إلى حسابات المصالح الصلبة، وفي مقدمتها الذهب الأسود.
الصور القادمة من دورال، ضاحية ميامي التي تحولت منذ سنوات إلى ما يشبه “عاصمة المنفى الفنزويلي”، لم تكن مجرد تعبير عن فرح إنساني، بانتهاء كابوس سياسي، بل حملت في طياتها دلالات أعمق: أعلام فنزويلا تُلف على الأكتاف احتفالًا بتدخل أجنبي، هتافات تمجد “التحرر” على وقع عملية عسكرية أمريكية، ولافتات تُعلن الخلاص لا من نظام فقط، بل من فكرة السيادة الوطنية نفسها.
هذه الفرحة الصاخبة، التي انفجرت فور الإعلان عن أسر نيكولاس مادورو وترحيله، أعادت إلى الواجهة سؤالًا قديمًا جديدًا: إلى أي حدٍّ باتت قطاعات من المعارضة الفنزويلية مستعدة للذهاب بعيدًا في تحالفها مع واشنطن؟ وهل صار اقتسام الثروة النفطية – بشكل مباشر أو مقنّع- ثمنًا مقبولًا مقابل إسقاط الخصم السياسي؟
بالنسبة لكثيرين من الفنزويليين في الخارج، خصوصًا أولئك الذين ذاقوا مرارة المنفى القسري والفراق الطويل، بدت العملية الأمريكية، وكأنها لحظة خلاص شخصية، قبل أن تكون تحوّلًا وطنيًا. دموع ديفيد نونيز، الذي لم يرَ بناته منذ ست سنوات، تختصر هذا البعد الإنساني القاسي، الذي لا يمكن إنكاره. ملايين الفنزويليين تشتتوا في القارة، من كراكاس إلى بوغوتا، ومن ليما إلى ميامي، بحثًا عن حياة كريمة، هربًا من الانهيار الاقتصادي والقمع السياسي.
غير أن المأساة الإنسانية، مهما بلغت قسوتها، لا تُسقط حقّ التساؤل السياسي المشروع: هل يُبرر الألم الفردي، تحويل بلد بأكمله إلى ساحة لتصفية الحسابات الجيوسياسية؟ وهل تصبح الدبابات الأجنبية، أقل خطورة حين تدخل تحت لافتة “تحرير”؟
اللافت أن الاحتفالات في جنوب فلوريدا، لم تُخفِ شعور الارتياح حتى تجاه السياسات المتشددة للهجرة التي ينتهجها دونالد ترامب، والتي طالما أرّقت المهاجرين. فالمفارقة هنا أن الجالية الفنزويلية، التي عانت من خطاب الإقصاء والجدران والقيود، وجدت نفسها فجأة تحتفي برئيس أمريكي قاد عملية عسكرية في بلدها الأم. كأن الخوف من الترحيل، ذاب مؤقتًا أمام نشوة “النصر” على مادورو.
لكن السياسة لا تُدار بالعواطف وحدها. وفنزويلا ليست مجرد وطن مكسور، بل خزّان نفطي استراتيجي، ظل لعقود هدفًا واضحًا للنفوذ الأمريكي. ومعارضة تُصفّق لتدخل عسكري خارجي، دون أن تطرح علنًا خطوطًا حمراء، تتعلق بالسيادة على الثروات، تفتح الباب أمام شبهة المقايضة: دعم سياسي وعسكري، مقابل إعادة ترتيب خريطة النفط، والعقود، والاستثمارات.
التاريخ القريب في أمريكا اللاتينية، مليء بأمثلة أنظمة سقطت تحت شعار “إنقاذ الشعوب”، ثم انتهت بإعادة توزيع الثروات، لصالح الشركات الكبرى، وبتهميش الفئات التي هللت في البداية. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تعلّمت المعارضة الفنزويلية من تجارب غيرها؟ أم أن حقدها على مادورو ونظام تشافيز، جعلها تقبل بأي ثمن، حتى لو كان تفريطًا تدريجيًا في القرار الوطني؟
في دورال، حيث تتجاور قصص النجاح المهني، لأطباء ومحامين ورجال أعمال مع حكايات البؤس لعمّال خدمات ومهاجرين غير نظاميين، يبدو المشهد الفنزويلي في المنفى صورة مصغّرة، عن بلد منقسم على ذاته. معارضة متعددة الطبقات، متناقضة المصالح، لكنها توحّدت – ولو مؤقتًا – على التصفيق لاختطاف رئيس من قلب بلده.
هنا تحديدًا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: ما الذي سيحدث حين تنتهي نشوة الاحتفال، ويبدأ النقاش حول “إعادة الإعمار”، و”الشراكات الدولية”، و”تحرير السوق النفطية”؟ من سيملك القرار؟ ومن سيدفع الثمن؟
قد تكون المعارضة الفنزويلية ربحت لحظة، لكنها قد تكون – عن وعي أو عن اندفاع – فتحت بابًا يصعب إغلاقه. بابًا لا يُفضي فقط إلى تغيير نظام، بل إلى إعادة تعريف معنى الاستقلال، وحدود السيادة، ومن يملك فعليًا مفاتيح النفط… ومصير البلاد.




