الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسة

هل كان لقجع وراء استقلال المغرب ونحن لا نعلم؟

ضربة قلم

هناك أخبار تقرأها مرة، ثم تعود إليها ثانية، لا لأنك لم تفهمها، وإنما لأنك تريد أن تتأكد فقط، من أنك لم تفوّت حلقة من مسلسل سياسي، جرى تصويرها في غياب الجمهور!

ومن بين أكثر الأشياء إثارة للانتباه هذه الأيام، الطريقة التي أصبح بها اسم فوزي لقجع يحضر في بعض المنابر الإعلامية وكأنه ليس مجرد مسؤول عمومي، أو فاعل في المجال الرياضي والسياسي، وإنما مشروع شخصية خارقة، كلما ارتفع حولها الجدل، خرجت أقلام، لتشرح لنا لماذا يجب أن نصفق لها!

وبصراحة، ومع كثرة هذا التمجيد، بدأ المواطن البسيط يتساءل:
هل نحن أمام فوزي لقجع الذي نعرفه، مدخناً شرِهاً، أم أمام شخصية تاريخية، اكتشفنا متأخرين، أنها كانت حاضرة في كل شيء؟

فربما نحن مخطئون منذ البداية. ربما كان لقجع وراء استقلال المغرب، ونحن لا نعلم! وربما ساهم في بناء السدود والطرق والمطارات، لكن الأرشيف الرسمي، بكل أسف، نسي أن يذكر اسمه!

طبعاً، هذا مجرد سخرية منطقية من ظاهرة إعلامية، وليس اتهاماً لأحد.

لكن، عندما يصبح بعض الإعلام، وكأنه يشتغل بنظام: “قل لنا ماذا تريد وسنشرح لك لماذا هو رائع”، فمن الطبيعي أن يطرح القارئ أسئلة.

لا أحد يمنع أي صحفي أو موقع أو جريدة من الدفاع عن لقجع، أو الإشادة به، أو اعتبار تجربته ناجحة، أو تقديمه باعتباره رجل المرحلة. هذا حق مشروع في الرأي والتحليل.

لكن الفرق كبير بين التحليل الصحفي وبين تحويل المسؤول العمومي، إلى ما يشبه “المنتج الإعلامي” الذي لا يجوز للناس، أن يروا فيه إلا الجانب المضيء!

فإذا كان الرجل ناجحاً في المجال السياسي، الذي التحق به قبل يومين فقط، فليقدم لنا الإعلام أرقامه ونتائجه وقراراته ومكاسبه وخسائره، ولنترك المواطن يحكم. أما أن نمنحه شهادة النجاح السياسي قبل أن يجلس، حتى على مقعد الامتحان، فهذه ليست صحافة ولا تحليلاً… هذا استعجال للنتيجة، قبل إجراء الاختبار!

أما أن يصبح كل نقد له “حقداً”، وكل سؤال حوله “تشويشاً”، وكل ملاحظة “استهدافاً”، وكل من لا يصفق له محتاجاً إلى درس في الوطنية… فهنا تبدأ الصحافة في فقدان وظيفتها الأساسية.

الصحافة ليست مكتب علاقات عامة، والصحفي ليس عضواً في هيئة التشجيع الرسمية.

والأغرب من ذلك أن بعض الخطابات، بدأت تتعامل مع لقجع، وكأن المغاربة استيقظوا ذات صباح، فوجدوا أنفسهم أمام رئيس حكومة مُعيّن سلفاً، ولم يبقَ لهم سوى معرفة تاريخ التنصيب!

وهنا أيضاً لا بد من التوضيح حتى لا يتحول المزاح إلى “خبر عاجل”:
لا أحد يستطيع أن يعيّن رئيساً للحكومة في المغرب خارج المساطر الدستورية. رئيس الحكومة، لا يأتي لأن موقعاً إلكترونياً قرر ذلك، ولا لأن جريدة كتبته في عنوان، ولا لأن أحداً من المقربين جداً من دوائر القرار، ومعه جيش من «الطبّالة» المحسوبين على الإعلاميين، قرّروا أن يتمنّوا الأمر وينفّذوه إعلامياً، ثم يقدّموه للمغاربة، وكأنه قرار نزل من السماء ولم يبقَ على الانتخابات، إلا أن تأتي لتؤدي واجبها الشكلي!

الدستور له مسطرة واضحة، والانتخابات لها نتائج، وتعيين رئيس الحكومة له شروطه ومؤسساته.

أما الحديث عن أن هناك من “عيّن لقجع رئيساً للحكومة” قبل أن يقول الشعب كلمته، فهو هنا توصيف ساخر للمبالغة في تقديم الرجل، كأنه حُسم أمره مسبقاً، وليس ادعاءً بوجود قرار سري أو مؤامرة أو تعيين فعلي.

وهذا تحديداً هو السؤال الذي يستحق أن يُطرح:

لماذا يريد البعض أن يقنع المغاربة بأن الرجل، أصبح رجل المرحلة قبل أن تنتهي المرحلة أصلاً؟

هل لأنهم يرون فيه كفاءة استثنائية؟ فليشرحوا لنا ذلك.
هل لأنهم مقتنعون، بأنه قادر على إدارة الحكومة؟ فليقدموا حججهم.
هل لأن تجربته في الرياضة تمنحه، في نظرهم، المؤهلات السياسية المطلوبة؟ فليشرحوا لنا هذه المعادلة العجيبة.
أم أن بينهم وبينه أسراراً من النوع الذي يجعل رفاق الظل ومعهم، بعض الأقلام تسيل حماساً قبل أن تسيل حِبراً، ونحن، معشر القراء، آخر من يعلم؟! طبعاً، لا نتحدث عن أسرار حقيقية ولا عن صفقات مخفية، وإنما عن ذلك النوع من المبالغة في التلميع الذي يجعل القارئ يتساءل: ماذا يعرف هؤلاء ولا نعرفه نحن؟

أما أن يتحول النقاش، إلى حملة جماعية لتلميع الصورة، بحيث يصبح القارئ أمام لقجع في كل صفحة، وفي كل تحليل، وفي كل زاوية، وفي كل مناسبة، فهنا يحق له أن يسأل: واش كنقراو الصحافة، ولا كنشوفو “بريزنتاسيون” ديال مرشح؟!

ثم هناك سؤال آخر أكثر إحراجاً:

من أين جاء هذا اليقين، بأن المغرب يحتاج بالضرورة إلى هذا الاسم أو ذاك؟

هل انتهت الانتخابات قبل أن تبدأ؟
هل ظهرت النتائج قبل أن يصوت الناس؟
هل أصبح المواطن، مجرد متفرج على مباراة سياسية، يعرف نتيجتها مسبقاً؟

إذا كان الأمر كذلك، فنحن أمام تجربة ديمقراطية جديدة جداً:
الانتخابات تُجرى يومها، لكن النتيجة تكون قد وصلت إلى المواطن قبل صندوق الاقتراع!

وهذا طبعاً، مرة أخرى، سخرية منطقية من الخطاب الإعلامي الذي يستبق الأحداث، وليس اتهاماً ،لأي جهة بالتلاعب بالانتخابات أو بالتعيينات.

أما بالنسبة إلى لقجع نفسه، فمن حقه أن يدافع عن تجربته، ومن حق خصومه أن ينتقدوها، ومن حق الصحافة أن تمدحه أو تختلف معه، ومن حق المواطن أن يقول: أعجبني، أو لم يعجبني.

لكن ما ليس صحياً، هو أن يتحول النقاش إلى حالة من التقديس السياسي، بحيث يصبح المسؤول أكبر من النقد وأصغر من السؤال في الوقت نفسه.

نحن لا نحتاج إلى صحافة تقول لنا:
“هذا الرجل عظيم، صدقونا.”

نحتاج إلى صحافة تقول لنا:
“هذه هي قراراته، هذه نتائجها، هذه إيجابياتها، وهذه سلبياتها… وأنتم احكموا.”

لأن المواطن المغربي، ليس طفلاً يحتاج إلى من يختار له، من يحب ومن يكره.

وفي النهاية، إذا كان البعض، قد قرر أن يجعل من فوزي لقجع رجل كل المواسم، فنحن فقط، نطلب منهم أن يتركوا لنا حق طرح سؤال بسيط:

هل أصبح لقجع مرشحاً لرئاسة الحكومة، لأن المغاربة قرروا ذلك، أم لأن المتهم بتسيير المغرب يريد ذلك؟

والجواب، بكل بساطة، لن يكون عند المواقع ولا الجرائد ولا “الخبراء” ولا أصحاب العناوين الكبيرة.

سيكون عند صناديق الاقتراع، وعند المؤسسات الدستورية، وعند القواعد القانونية.

أما نحن، فسنواصل فعل الشيء الذي يفترض أن تفعله الصحافة منذ وُجدت:

نسأل عندما يريد البعض أن نصفق، ونشكك عندما يريد البعض أن نصدق، ونضحك قليلاً، عندما يحاول أحدهم أن يقنعنا بأن التاريخ بدأ أمس… وأنه كان هو بطله منذ البداية!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.