الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

اقتصادمجتمع

هل ما تزال مصفاة سامير صالحة للحياة؟ قراءة تقنية في شرط المستثمرين

ضربة قلم

لم يكن اشتراط المستثمر إخضاع وحدات الإنتاج داخل مصفاة المحمدية، لخبرة تقنية دقيقة، مجرد إجراء شكلي أو احتياطي قانوني، بل يعكس سؤالاً جوهرياً ظل معلقاً منذ سنوات:
هل ما تزال المصفاة، قابلة للإحياء من الناحية الصناعية، أم أن التوقف الطويل أنهك جسدها التقني؟

في هذا السياق، يؤكد أحد العارفين بخبايا المصفاة، أن تقييم حالتها لا يتم بالعين المجردة، ولا بالشعارات، ولا بالبيانات الفارغة، بل عبر فحص دقيق لمكوناتها الحيوية، وفي مقدمتها:

أولاً: المعدات الثابتة
ويتعلق الأمر بالأعمدة الصناعية الكبرى (الأبراج)، والمبادلات الحرارية، والأفران، وأنابيب الأفران، وكل ما يشكل الهيكل الصلب لعملية التكرير.
هذه الوحدات هي بمثابة العظام، في الجسد الصناعي، وإذا أصابها تآكل أو تشقق أو إجهاد معدني، فإن إعادة تشغيلها دون تأهيل دقيق، قد يشكل عائقا حقيقيا على السلامة والإنتاج معاً.

ثانياً: الأنظمة التفاعلية
وتشمل الأنابيب المرتبطة بالعمليات الكيميائية، داخل وحدات المعالجة، حيث تمر المواد، تحت ضغط وحرارة مرتفعة.
هنا يصبح الفحص أكثر حساسية، لأن أي خلل في هذه الشبكة، قد يؤدي إلى تسربات أو حوادث صناعية جسيمة، خصوصاً بعد سنوات من التوقف والرطوبة والتقادم التقني.

ثالثاً: الآلات الدوارة
من ضواغط ومضخات وتوربينات، وهي القلب النابض لأي مصفاة.
فحتى لو بقيت الهياكل صامدة، فإن تعطل هذه المكونات، يجعل التشغيل مستحيلاً. لذلك تخضع عادة لاختبارات ميكانيكية وكهربائية دقيقة، لتحديد قابليتها، لإعادة العمل أو الحاجة إلى استبدالها.

رابعاً: شبكات نقل المواد الخطرة
ويتعلق الأمر بالأنابيب الفولاذية التي تنقل الغازات القابلة للاشتعال، مثل الهيدروجين وغاز البوتان والبروبان، إضافة إلى المنتجات الساخنة والسريعة الاشتعال.
هذه الشبكة تحديداً، تمثل نقطة الخطر القصوى، لأن أي ضعف في جدرانها أو في لحاماتها، قد يؤدي إلى انفجارات أو حرائق، وهو ما يجعل خبرتها التقنية شرطاً غير قابل للتساهل.

الخبرة التقنية هنا، لا تبحث فقط عن الأعطاب، بل عن الجواب عن سؤال أكبر:
هل إعادة تشغيل سامير ممكنة بأقل من كلفة بناء مصفاة جديدة؟
وهل الاستثمار في تأهيلها مجدٍ اقتصادياً مقارنة بالبدائل؟

فإذا أثبتت الخبرة أن الهياكل الأساسية، ما تزال صالحة، فإن المشروع يتحول من مغامرة إلى فرصة صناعية حقيقية، تسمح بإعادة التكرير الوطني وتقليص التبعية للأسواق الخارجية.
أما إذا كشفت أن التآكل وهذا احتمال ضعيف، بلغ مستويات غير قابلة للإصلاح، فإن الملف ينتقل من منطق الإنقاذ إلى منطق التصفية النهائية.

بهذا المعنى، يصبح شرط الخبرة التقنية، ليس عائقاً أمام عودة المصفاة، بل مفتاح القرار:
إما بوابة نحو حياة صناعية ثانية،
وإما شهادة طبية نهائية على جسد أنهكه التوقف.

وفي الحالتين، لم تعد القضية مجرد ملف قضائي، أو نزاع مالي، بل أصبحت مسألة سيادة طاقية وسلامة صناعية واختيار اقتصادي استراتيجي:
هل يُعاد بعث مصفاة قائمة؟
أم يُطوى فصلها نهائياً وتُكتب صفحة جديدة خارج المحمدية؟

إن الجواب لن تصوغه الخطب ولا البيانات، بل ستكتبه نتائج الخبرة التقنية وحدها…
هناك، داخل الحديد والأنابيب والأفران، سيُحسم مصير سامير.

ورغم كل ما راكمه هذا الملف، من تعقيدات وانتظارات، فإن الأفق لا يبدو مغلقًا تمامًا. فعودة الحديث عن الخبرة التقنية، وعودة الاهتمام الاستثماري بالمصفاة، يعيدان إلى الواجهة احتمالًا، كان يُحسب إلى زمن المستحيل: أن تستعيد سامير نبضها الصناعي من جديد.
قد يكون الطريق طويلاً ومحفوفًا بالحسابات الدقيقة، لكن مجرد انتقال الملف، من منطق الإهمال إلى منطق التقييم والتخطيط، خطوة في اتجاه الحياة، لا في اتجاه النسيان.
وإذا ما كُتب لهذا المشروع أن يرى النور، فلن يكون ذلك انتصارًا لمصفاة فقط، بل لمدينة كاملة، ولخيار اقتصادي يعيد الاعتبار للإنتاج بدل الارتهان، وللأمل بدل الانتظار.
هكذا يمكن لسامير، أن تتحول من قصة توقف… إلى حكاية نهوض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.