ضربة قلم
في المغرب، حين يتعلق الأمر بكرة القدم، فإن المواطن البسيط لا يطلب المستحيل. لا يريد من المنتخب الوطني لأقل من 17 سنة أن يتحول إلى نسخة مصغرة من منتخب البرازيل في عزّ مجده، ولا ينتظر من اللاعبين الصغار أن يقدموا كرة “تيكي تاكا” تُدرَّس في الجامعات. المغاربة فقط يريدون أن يروا روحاً، شخصية، لمسة مدرب، وتطوراً واضحاً يليق بحجم الأموال والمراكز والتكوين والضجة الإعلامية التي تحيط بكرة القدم الوطنية. لكن ما يراه كثيرون اليوم مع منتخب أقل من 17 سنة، يجعل الأسئلة تتكاثر بسرعة أكبر من التمريرات الصحيحة داخل الملعب.
المنتخب المغربي افتتح مشواره في كأس إفريقيا لأقل من 17 سنة بتعادل مخيب أمام تونس بهدف لمثله، وهي مباراة ظهر فيها “الأشبال” بتوتر واضح، وعجز هجومي، وارتباك تكتيكي أربك حتى المتفائلين. المدرب البرتغالي تياغو ليما بيريرا برر ذلك بعد اللقاء بعامل الضغط الجماهيري، وقلة الخبرة لدى اللاعبين الصغار.
لكن الجمهور المغربي، الذي أصبح يتابع التفاصيل الصغيرة والكبيرة بعد الطفرة الكروية الأخيرة، لم يقتنع كثيراً بهذا التبرير. لأن السؤال البسيط الذي يطرح نفسه هو: إذا كان اللاعبون يعيشون الضغط لأول مرة، فما دور المدرب إذن؟ أليس دوره الأساسي هو إعدادهم نفسياً وتكتيكياً لهذه اللحظات؟
ثم جاءت مباراة إثيوبيا، التي كان ينتظرها المغاربة كفرصة لاستعادة الثقة، وتقديم كرة قدم مقنعة، فإذا بالمنتخب يجد نفسه متأخراً في النتيجة، قبل أن يعود بصعوبة وينتصر في الوقت القاتل بهدفين مقابل هدف. حتى الصحافة الرياضية وصفت الفوز بأنه جاء “في الوقت القاتل”، بعدما عانى المنتخب كثيراً، أمام خصم لا يملك نصف الإمكانيات التي تتوفر للمغرب.
وهنا بدأت موجة السخرية والأسئلة الحارقة:
هل فعلاً لدينا مشروع تكوين قوي كما يُقال ليل نهار؟
أم أن الأمر أصبح مجرد شعارات براقة وصور وفيديوهات داخل مركب محمد السادس؟
وهل المدرب الأجنبي الموجود على رأس المنتخب، جاء ليشتغل فعلاً، أم لقضاء إقامة رياضية فاخرة، تحت شمس الرباط والمعمورة بدعوة من فوزي لقجع؟
المغاربة لا يهاجمون الأجانب لأنهم أجانب، فالجمهور نفسه صفق سابقاً لمدربين أجانب، حين لمس العمل الحقيقي. لكن ما يثير الغضب اليوم هو الإحساس بأن بعض الفئات السنية، أصبحت حقل تجارب، ومدخلاً لعقود مريحة، ورواتب محترمة، وسياحة كروية طويلة الأمد، بينما الأداء داخل الميدان يزداد ارتباكاً وتراجعاً.
والأخطر من ذلك، أن كرة القدم المغربية أصبحت ضحية “البهرجة المؤسساتية”. كل شيء يبدو مثالياً خارج الملعب:
فنادق ممتازة.
ملاعب عالمية.
مركبات حديثة.
تصوير سينمائي.
ندوات صحفية أنيقة.
لكن حين تبدأ المباراة، يشعر المشجع وكأنه يشاهد منتخباً، اجتمع قبل يومين فقط في تطبيق “واتساب”.
الجمهور المغربي اليوم، لم يعد ساذجاً كما كان قبل سنوات. الناس تقارن، تتابع، وتحلل. حين ترى منتخبات إفريقية بإمكانيات متواضعة تلعب بانضباط وشخصية، بينما منتخب المغرب يتعذب أمام تونس وإثيوبيا فوق أرضه، فمن الطبيعي أن ترتفع علامات الاستفهام.
بل إن بعض المتابعين بدأوا يتساءلون بسخرية مرة:
هل وظيفة بعض المدربين الأجانب هي تطوير اللاعبين، أم فقط تعلم بعض الكلمات بالدارجة المغربية، والظهور بابتسامة عريضة قرب لقجع في المنصات الرسمية؟
المشكل الحقيقي ليس في التعادل أو الفوز الصعب فقط، فحتى أكبر المنتخبات تتعثر. المشكل هو غياب الهوية الواضحة. لا ضغط جماعي منظم، لا انسجام تكتيكي ثابت، ولا ذلك الإحساس بأن هناك “بصمة مدرب” حقيقية داخل رقعة الميدان.
ثم هناك نقطة أخرى يتحدث عنها كثيرون همساً:
كيف يعقل أن المغرب، الذي يقال إنه أصبح قوة كروية إفريقية، لا يزال يبحث في كل مرة عن مدربين أجانب للفئات السنية، وكأن الأطر الوطنية مجرد ديكور احتياطي؟
أين أبناء المغرب؟
أين المدربون المحليون الذين يعرفون عقلية اللاعب المغربي الصغير؟
أم أن “السيرة الذاتية الأجنبية” أصبحت أهم من الكفاءة نفسها؟
في النهاية، قد يتأهل المنتخب، وقد يفوز بالكأس أيضاً، فكرة القدم مليئة بالمفاجآت. لكن ذلك لن يمنع من طرح السؤال الحقيقي:
هل نحن أمام مشروع تكوين رياضي حقيقي يصنع لاعبين ومدربين وشخصية كروية متكاملة، أم أمام آلة ضخمة للتسويق الكروي، فيها كل شيء… إلا كرة القدم المقنعة أحياناً؟
والأكيد أن الجمهور المغربي، الذي ذاق طعم الحلم الكروي في مونديال قطر، لم يعد يقبل بسهولة العودة إلى مباريات “الله يجيب” و”ربّي دير تاويل الخير” أمام منتخبات كان المغرب يهزمها سابقاً بثقة وهدوء.