هل يرفع القلم عن الكبار؟ حين يصبح القانون شجاعاً مع الضعفاء وخجولاً أمام الأقوياء!

محمد صابر
في كل مرة ينفجر فيها ملف يتعلق بالعقار أو التعمير أو المال العام، يعود السؤال نفسه، ليفرض على ألسنة المغاربة: هل الجميع سواسية أمام القانون، أم أن هناك من لا تصل إليه يد المحاسبة؟
فالدستور واضح، والخطب الرسمية واضحة، وشعار “ربط المسؤولية بالمحاسبة” أصبح يتردد في كل مناسبة. لكن الشارع لا يحاكم الشعارات، بل يحاكم النتائج.
فالمواطن البسيطـ، قد يجد نفسه أمام القضاء، بسبب مخالفة بناء لا تتجاوز بضعة أمتار، أو لأنه شيد غرفة فوق سطح منزله دون ترخيص، أو لأنه أخطأ في وثيقة إدارية. وفي المقابل، تظل ملفات أكبر حجماً وأكثر تعقيداً، تتعلق بعقارات تساوي الملايين، وتغييرات في تصاميم التهيئة، ورخص استثنائية، وصفقات مثيرة للجدل، محل نقاش واسع، بينما ينتظر الرأي العام معرفة الحقيقة كاملة، سواء بإثبات المخالفات أو بنفيها عبر المساطر القانونية.
لقد أصبح قطاع العقار، في نظر كثير من المتابعين، من أكثر القطاعات التي تثير الشبهات والأسئلة، ليس لأنه قطاع سيئ في حد ذاته، بل لأن القرار فيه، قد يحول أرضاً فلاحية إلى مشروع عمراني، أو يرفع قيمة قطعة أرض بين عشية وضحاها، أو يمنح رخصة، تفتح باب أرباح بملايين الدراهم، أو يرفض أخرى، فتضيع معها استثمارات وأحلام سنوات.
ولذلك، فإن كل منصب يرتبط بالتعمير أو العقار أو التدبير الترابي، يكتسب حساسية استثنائية، لأن صاحبه يتعامل مع قرارات ذات أثر مالي واقتصادي كبير. ولهذا السبب، يتحدث كثيرون عن وجود اقتصاد خفي يدور في محيط بعض المناصب الحساسة، حيث تتحول المسؤولية، في نظر المنتقدين، من خدمة عمومية إلى موقع تتقاطع فيه الضغوط، والوساطات، والسعي إلى التأثير على القرارات، التي قد تدر أرباحاً ضخمة على المستفيدين منها.
ولا يقتصر الحديث على بيع الأراضي أو تغيير استعمالها، بل يمتد، كما يتداوله الرأي العام، إلى كل ما يحيط ببعض الملفات العقارية من رخص البناء، ورخص التجزئات، والمشاريع الاستثمارية، والكراء طويل الأمد لبعض العقارات أو المرافق، والتفويتات التي تثير الجدل، واستغلال النفوذ، لتحقيق شقة في كل إقامة، أو مكاسب غير مشروعة إن ثبتت مثل هذه الأفعال.
والأخطر من كل ذلك، أن بعض المناصب أصبحت، في نظر المواطنين، محط تنافس ليس بسبب قيمة الخدمة العمومية، التي تقدمها، وإنما بسبب ما يُعتقد أنها تمنحه من سلطة ونفوذ، وما قد يرافقها من إغراءات مالية، إذا غابت الرقابة وضعفت المحاسبة.
ومن هنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح:
إذا كانت الدولة تحاسب موظفاً صغيراً، بسبب رشوة محدودة، فمن حق المواطن أيضاً، أن يطمئن إلى أن كل الملفات الكبرى، وكل من تحوم حولهم شبهات، يخضعون للمعايير نفسها، دون تمييز، ودون حماية، ودون انتقائية.
فالمغاربة لا يطالبون بإدانة أحد خارج القانون، ولا بمحاكمات إعلامية، وإنما يطالبون بشيء واحد: أن يكون القانون أعمى أمام الأسماء، لا أن يُصاب بقصر النظر، كلما اقترب من أصحاب النفوذ.
إن قوة الدولة، لا تُقاس بعدد البلاغات ولا بكثرة التصريحات، وإنما بقدرتها على إقناع مواطنيها، بأن لا أحد فوق القانون، وأن المنصب ليس حصانة، وأن النفوذ، ليس جواز مرور يعفي من المساءلة.
فإذا كان المسؤول نزيهاً، فليخرج القانون نزاهته إلى العلن، ويُسكت كل الإشاعات.
وإذا كان مذنباً، فليكن القانون هو أول من يطرق بابه.
أما أن تبقى بعض الملفات عالقة بين الصمت والتأويل، فإن الخاسر الأكبر، ليس شخصاً بعينه، وإنما ثقة المواطن في مؤسسات بلاده.
ولذلك، يبقى السؤال الذي يختزل قلق المغاربة أكثر من أي وقت مضى:
هل يرفع القلم عن الكبار؟ أم أن الوقت قد حان ليكتب القانون السطر نفسه في حق الجميع، دون استثناء، ودون انتقائية، ودون خوف من الأسماء أو المناصب؟
فالعدالة الحقيقية، لا تُقاس بشجاعة القانون مع ضحايا الحسابات والضعفاء، وإنما بقدرته على الوقوف بالصرامة نفسها، أمام كل من يشتبه في تبديده للمال العام أو استغلاله للنفوذ، أياً كان اسمه أو موقعه.



