هل يعرف وزير “الشوكولاتة والتعليم” ما يقع داخل المدارس؟

ضربة قلم
حين عُيّن محمد سعد برادة وزيراً لـ وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة في المغرب سنة 2024، جاء الرجل من عالم المال والأعمال وليس من الحقل التربوي، وهو ما أثار منذ البداية تساؤلات عديدة، داخل الأوساط التعليمية حول مدى معرفته، بالتفاصيل اليومية القاسية، التي يعيشها رجال ونساء التعليم داخل المؤسسات العمومية.
فالوزير، المعروف أساساً كرجل أعمال ومؤسس شركات صناعية في مجالات الغذاء والأدوية والصناعات المختلفة، وجد نفسه فجأة على رأس واحد، من أكثر القطاعات تعقيداً وحساسية في الدولة: قطاع التعليم.
لكن السؤال الذي يطرحه كثير من الفاعلين التربويين، ليس متعلقاً فقط بالإصلاحات الكبرى، أو البرامج الاستراتيجية، بل بأمور أبسط بكثير، وأقرب إلى الحياة اليومية للمدرسة المغربية.
مدارس بلا صنابر… ومديرون يصلحونها من جيوبهم
في عدد غير قليل من المؤسسات التعليمية العمومية، خصوصاً في المناطق البعيدة عن المراكز الحضرية، يجد المديرون أنفسهم، أمام مشاكل بسيطة في ظاهرها، لكنها معقدة في الواقع الإداري.
فحين تتعطل صنابر الماء داخل المدرسة، أو تتعرض للتلف أو السرقة، تبدأ رحلة طويلة من الإجراءات:
-
مراسلات إدارية
-
انتظار ميزانية المديرية الإقليمية
-
طلب صفقات أو إصلاحات
-
انتظار قد يطول أسابيع أو أشهر
وخلال هذه الفترة، قد تبقى المرافق الصحية بدون ماء، وهو أمر لا يمكن تحمله في مؤسسة تعليمية.
وهنا يحدث ما لا يُكتب عادة في التقارير الرسمية:
المدير يضع يده في جيبه.
كثير من المديرين، حفاظاً على الحد الأدنى من كرامة المؤسسة، يقومون ببساطة بـ:
-
شراء الصنابر بأنفسهم
-
دفع مصاريف الإصلاح للسباك
-
إصلاح الأعطال الصغيرة دون انتظار أي ميزانية
ليست هذه حالات نادرة، بل واقع متكرر في مدارس عديدة.
مصابيح الفصول… على حساب الأساتذة
ولا تقف الأمور عند الصنابر.
في بعض المؤسسات، حين تنطفئ مصابيح الفصول الدراسية أو تتلف، يجد الأساتذة أنفسهم أمام خيارين:
-
انتظار مسطرة إدارية، قد تستغرق وقتاً طويلاً
-
شراء المصباح من مالهم الخاص
وفي كثير من الأحيان، يتم اختيار الحل الثاني.
لأن الأستاذ (ة) لا يستطيع أن يشرح الدرس لتلاميذه في قسم مظلم.
وهكذا تتحول أشياء بسيطة مثل مصباح كهربائي أو سلك أو قابس كهربائي إلى مصاريف يتحملها رجال ونساء التعليم من جيوبهم الخاصة.
التلاميذ الفقراء… والمدير الذي يفتح محفظته
القصة لا تقف عند البنية التحتية.
فداخل المدارس المغربية، يوجد أيضاً تلاميذ ينتمون إلى أسر معوزة جداً، لا يستطيعون شراء:
-
الدفاتر
-
الأقلام
-
الأدوات المدرسية
-
المقررات أحياناً
صحيح أن الدولة تطلق برامج للدعم الاجتماعي، لكن الواقع الميداني يظل أكثر تعقيداً.
فحين يأتي طفل إلى المدرسة، بلا دفتر أو قلم، يحدث موقف إنساني صعب.
المدير أو الأستاذ يجد نفسه أمام ثلاثة خيارات:
-
ترك الطفل بلا أدوات
-
البحث عن جمعية إحسانية
-
فتح جيبه
وفي كثير من الأحيان، يتم اختيار الحل الثالث، خصوصاً عندما يخجل المدير من طلب المساعدة، أو حين لا تتوفر جمعيات قريبة.
أشياء صغيرة… لكنها تكشف خللاً كبيراً
قد تبدو هذه التفاصيل بسيطة:
-
صنبور ماء
-
مصباح كهربائي
-
دفتر لتلميذ فقير
-
قفل باب
-
إصلاح نافذة
لكنها في الحقيقة، تكشف خللاً عميقاً في تدبير المدرسة العمومية.
فالمدرسة، ليست فقط برامج إصلاح كبرى، أو مخططات استراتيجية، بل هي أيضاً:
-
ماء في المراحيض
-
ضوء في الأقسام
-
سبورة صالحة للكتابة
-
باب يمكن إغلاقه
وعندما يصبح الحفاظ على هذه الأشياء مسؤولية المدير أو الأستاذ، من ماله الخاص، فإن السؤال يصبح مشروعاً:
هل تصل صورة الواقع الحقيقي للمدرسة إلى الوزارة؟
بين الخطابات الكبرى والواقع اليومي
في الرباط تُناقش:
-
إصلاحات كبرى
-
رقمنة التعليم
-
الذكاء الاصطناعي
-
المدرسة الرائدة
لكن في بعض القرى أو الأحياء الهامشية، لا تزال المدرسة تكافح من أجل:
-
صنبور ماء
-
مصباح
-
قفل باب
وهنا تظهر فجوة كبيرة بين الخطاب المركزي والواقع الميداني.
السؤال الذي ينتظر جواباً
السؤال الذي يطرحه كثير من رجال التعليم، ليس سياسياً ولا حزبياً.
إنه سؤال بسيط:
هل يعلم الوزير بما يحدث فعلاً داخل المدارس؟
هل يعرف أن بعض المديرين:
-
يشترون الصنابر من جيوبهم
-
يصلحون الأعطال الصغيرة من مالهم الخاص
-
يشترون دفاتر لتلاميذ فقراء
ليس لأن ذلك مكتوب في القانون…
بل لأن المدرسة لا يمكن أن تنتظر المساطر.
خلاصة
المدرسة العمومية في المغرب، لا تعيش فقط أزمة برامج أو مناهج، بل أيضاً أزمة تفاصيل يومية صغيرة.
تفاصيل قد تبدو تافهة، في التقارير الإدارية، لكنها بالنسبة لمن يعيش داخل المدرسة كل يوم، تمثل الفرق بين:
مؤسسة تعمل… ومؤسسة تتعطل.




