
ضربة قلم
بهذا السؤال، يُمكن اختصار اللحظة السياسية، التي يعيشها حزب التجمع الوطني للأحرار، ومعه جزء واسع من المشهد السياسي المغربي. فإعلان عزيز أخنوش عدم الترشح لولاية جديدة، على رأس الحزب، لا يمكن قراءته، كحدث تنظيمي معزول، ولا كتصرف أخلاقي محض، بل كحلقة ضمن مسار سياسي مأزوم، بلغ فيه الرجل وحزبه درجة من الاستهلاك، لم تعد قابلة للتغطية.
في الوعي الشعبي، تُقرأ التجربة الأخنوشية بجملة واحدة تلخّص كل شيء:
“لسنا أمام حزب يحكم، بل أمام شبكة مصالح تدير الدولة.”
وهنا تحديدًا تبدأ المشكلة، وهنا أيضًا نفهم، لماذا صار تغيير الواجهة ضرورة لا خيارًا.
من السياسة إلى إدارة المصالح
لم يُنظر إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، خلال السنوات الأخيرة، كحزب ذي مشروع سياسي واضح، بل كإطار تقني لتجميع النخب الاقتصادية والإدارية. حكومة تشكّلت من وزراء بلا امتداد حزبي حقيقي، بلا رصيد نضالي، جرى تعيينهم أولًا، ثم صبغهم بلون الحزب لاحقًا، في انقلاب صريح على منطق العمل السياسي.
هكذا، لم تعد الأحزاب تصنع الحكومة، بل صارت الحكومة، تعيد تشكيل الأحزاب على مقاسها. والنتيجة، كانت حكومة بلا روح سياسية، عاجزة عن الدفاع عن اختياراتها، وبرلمانًا يفتقر إلى الجرأة، وحزبًا تحوّل في نظر المواطنين، إلى واجهة مؤسساتية لشبكة مصالح متشابكة.
الثروة… حين تفقد معناها السياسي
لا يمكن فصل مسار أخنوش السياسي، عن ثروته الضخمة. فهو ليس فقط رئيس حكومة، بل أغنى زعيم سياسي عرفه المغرب. هذه الثروة، التي شكّلت في مرحلة ما، مصدر حماية وقوة، تحولت مع تصاعد الأزمات الاجتماعية، إلى عبء ثقيل.
في زمن الغلاء الفاحش، وارتفاع أسعار المواد الأساسية، وتفاقم البطالة، وتدهور قطاع الصحة، لم يعد الخطاب التقني، ولا لغة الأرقام كافيين. المواطن البسيط، لم يعد يرى في الثروة علامة نجاح، بل دليلاً على انفصال طبقي صارخ. ولولا هذا النفوذ المالي، لكان الغضب الاجتماعي، قد أسقط التجربة سياسيًا في وقت مبكر، قبل أن تصل إلى هذه المرحلة من الاستهلاك السياسي.
جيل جديد خارج الحسابات القديمة
أحد أكثر عناصر الإرباك في تجربة أخنوش، هو بروز جيل جديد، جيل لا يؤمن بالأحزاب التقليدية، ولا يثق في الوجوه المكرورة، ولا يرى في “الكفاءة” التقنية بديلاً عن العدالة الاجتماعية. جيل لا يحتج بالضرورة في الشارع، لكنه يقاطع، ينسحب، ويسحب الشرعية بصمت.
هذا الجيل، لا ينتظر انتخابات، ليُعبّر عن موقفه، بل يعاقب النظام السياسي باللامبالاة. وهذا أخطر ما يمكن أن تواجهه، أي تجربة حكم: فراغ سياسي بدل معارضة منظمة.
تنحٍّ أم إبعاد أم تدوير؟
الحديث عن تنحٍّ طوعي بدافع احترام الديمقراطية الداخلية يبدو تبسيطًا ساذجًا. كما أن الحديث عن إبعاد قسري، لا ينسجم مع طبيعة النظام السياسي المغربي. القراءة الأكثر واقعية تقول إننا أمام عملية تدوير سياسي محسوبة: إخراج الاسم الأكثر استفزازًا من الواجهة، مع الإبقاء على نفس الاختيارات الاقتصادية، ونفس منطق التدبير.
إنه تغيير في الشكل لتقليص الخسائر، لا مراجعة حقيقية للمسار. إعادة تموضع بدل محاسبة. محاولة لامتصاص الغضب، دون المساس بجذور الأزمة.
حزب نحو التراجع… مهما تغيّرت الوجوه
حتى مع هذا التدوير، يصعب الاعتقاد، بأن حزب التجمع الوطني للأحرار سيخرج من الاستحقاقات القادمة دون خسائر. فالغضب الاجتماعي أعمق، من أن يُحتوى بتغيير القيادة، والذاكرة الشعبية، لا تُمحى بحملات تواصل، أو خطابات تفاؤل مصطنعة.
قد لا يكون السقوط مدويًا، لكن التراجع سيكون واضحًا. فالناخب المغربي قد يتحمل، لكنه، لا ينسى حين يشعر أن السياسة، تحولت إلى أداة لإدارة المصالح، لا لخدمة الصالح العام.
الخلاصة
ما يحدث اليوم ليس نهاية تجربة، بل محاولة لتأجيل المحاسبة.
وعزيز أخنوش، لا يغادر لأنه نجح، بل لأنه صار كلفة سياسية.
أما المشهد، فسيظل مختلًا ما دامت الوجوه تُدوَّر والنموذج لا يُمسّ.
إن مصير الغد، بالنسبة لمن يراقبه، واضح وسيظهر قريبًا.




