الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

هل يمكن أن أحبّ نفسي… بعد كل هذا العطاء؟

م-ص

هناك لحظات في الحياة، لا ننهزم فيها أمام الآخرين، بل ننهزم أمام ذلك الشخص الذي كنا نظنه الأقرب إلينا: أنفسنا.
نستيقظ فجأة ذات صباح، بعد سنوات من الركض خلف الناس، فنكتشف أننا نسينا أن نسأل قلوبنا سؤالًا بسيطًا:
“وأنت… كيف حالك؟”

كم هو غريب هذا الإنسان.
يعرف كيف “كيهَوّن” على أوجاع الجميع، لكنه حين يتعلق الأمر بجراحه، يتحول إلى غريب بارد، يمر بجانب نفسه دون أن يلتفت إليها.
يعرف كيف يمنح الوقت، والاهتمام، والحب، والفرص، والاعتذارات، وحتى الأعذار المجانية للآخرين، لكنه حين يصل إلى ذاته، يصبح قاسيًا كقاضٍ عجوز لا يعرف الرحمة.

وفي كثير من الأحيان، لا ننتبه إلى أننا استنزفنا أرواحنا، إلا حين نصبح فارغين من الداخل.
فارغين بطريقة مخيفة.
كمن كان يحمل البحر للآخرين، ثم عاد إلى بيته، ليجد كوب الماء داخله جافًا.

نحب كثيرًا…
وهذه ليست جريمة.
بل ربما أجمل ما فينا أننا نستطيع أن نحب بهذا العمق، بهذا الإخلاص، بهذا الاستعداد المجنون للتضحية.
لكن المأساة، تبدأ حين يتحول الحب إلى تنازل دائم، وإلى محكمة نحاكم فيها أنفسنا، كلما فكرنا قليلًا في راحتنا.

من قال أصلًا، إن حب النفس أنانية؟
ومن أقنعنا أن الإنسان الطيب، يجب أن يكون مشروع خسارة مفتوحًا؟
ولماذا يُطلب دائمًا من القلب النظيف، أن يتحمل أكثر، ويسامح أكثر، ويتفهم أكثر، وكأن الطيبة وظيفة شاقة، بلا راتب ولا عطلة سنوية؟

الحقيقة التي نتأخر كثيرًا في فهمها، هي أن الإنسان لا يستطيع أن يمنح حبًا حقيقيًا وهو فارغ.
فالروح المتعبة لا تُضيء.
والقلب المكسور، لا يستطيع أن يكون بيتًا آمنًا لأحد، لأنه بالكاد يجد مكانًا يختبئ فيه من عاصفته الداخلية.

هناك أشخاص يدخلون حياتنا كالإعصار.
لا يسرقون أموالنا، بل يسرقون شيئًا أخطر: النسخة المطمئنة منا.
يجعلوننا نشك في قيمتنا، في جمالنا الداخلي، في قدرتنا على أن نكون محبوبين، دون أن نتوسل ذلك.
وبعد أن يغادروا، لا يتركون خلفهم صمتًا فقط، بل يتركون سجنًا كاملاً داخلنا.

سجن من الأسئلة الثقيلة:
“هل كنت كافيًا؟”
“هل أخطأت حين أحببت بهذا الشكل؟”
“هل المشكلة فيّ؟”
“هل كان عليّ أن أكون أقل طيبة؟”

وهنا يبدأ أخطر أنواع التعب:
حين يتحول الإنسان إلى خصم لنفسه.

فبدل أن يواسي قلبه، يبدأ في تعنيفه.
وبدل أن يقول لنفسه: “لقد حاولت بصدق”، يقول: “أنت غبي لأنك صدّقت.”
وبدل أن يفهم أن بعض الناس، لا يعرفون قيمة النقاء، يبدأ في الاعتذار عن نقائه نفسه.

لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير.
فالإنسان الذي يحب بصدق ليس ضعيفًا.
الضعفاء الحقيقيون، هم أولئك الذين لا يعرفون كيف يحبون إلا بالمصلحة، ولا يقتربون، إلا حين تكون الطاولة مليئة، ثم يختفون عند أول عاصفة.

أما الذين يمنحون قلوبهم بصدق، فهم يشبهون الأشجار.
قد يرميها الناس بالحجارة، لكنها رغم ذلك تمنحهم الظل.

ومع ذلك… حتى الأشجار تحتاج إلى فصل ترتاح فيه.
تحتاج إلى شتاء طويل تتساقط فيه الأوراق المتعبة، حتى تستطيع أن تزهر من جديد.

لهذا، فإن حب النفس ليس خيانة لأحد.
بل هو عملية إنقاذ هادئة.
هو أن تجلس مع نفسك أخيرًا دون خوف، وأن تقول لها:
“أعرف أنك تعبت.”
“أعرف أنك تحملت أكثر مما يجب.”
“وأعرف أنك كنت تحاول فقط أن تكون شخصًا جيدًا.”

حب النفس ليس أن تقف أمام المرآة وتردد كلمات محفوظة عن الثقة.
حب النفس الحقيقي أعمق بكثير.
هو أن تتوقف عن جلد نفسك كل ليلة.
أن تتوقف عن مطاردة من لا يريدك.
أن تفهم أن الكرامة ليست كبرياء، وأن الانسحاب أحيانًا شجاعة، لا هروبًا.

حب النفس هو أن تدرك أن بعض الأبواب إن أغلقت، فذلك لأن الله يعرف أن قلبك لا يحتمل المزيد من الخيبات خلفها.
وأن بعض الناس لم يكونوا عقابًا، بل درسًا ثقيلًا، جاء ليعلمك أنك تستحق معاملة أفضل.

كم من إنسان بقي سنوات كاملة، يحاول إصلاح شخص آخر، بينما كانت روحه هي التي تحتاج إلى الإصلاح؟
كم من شخص اعتقد أن التضحية المطلقة دليل وفاء، ليكتشف متأخرًا، أن بعض البشر يعتادون على الأخذ فقط، حتى يتحول عطاؤك بالنسبة لهم إلى شيء عادي لا يستحق حتى الشكر؟

المؤلم فعلًا ليس أن نتعب من أجل الآخرين.
المؤلم أن ننسى أنفسنا بالكامل أثناء ذلك.

أن نصبح غرباء عن أحلامنا، عن هدوئنا، عن ضحكتنا القديمة.
أن نعتذر دائمًا عن مشاعرنا، وكأن الحزن خطأ شخصي.
أن نخاف من قول “لا”، فقط لأننا تعودنا أن نكون الملجأ الدائم للجميع.

لكن ماذا عنك أنت؟
من يربت على قلبك حين تتعب؟
من يسمع صوتك الداخلي حين ينكسر؟
من يجمع شتاتك بعد كل خيبة؟
أليس من حقك، ولو مرة واحدة، أن تكون أنت الشخص الذي تنقذه؟

هناك لحظة نضج عظيمة، لا تأتي مع العمر، بل مع الألم.
لحظة يفهم فيها الإنسان، أن حب النفس ليس رفاهية نفسية، بل ضرورة للبقاء.
وأن من لا يحترم نفسه، سيتحول تدريجيًا إلى محطة، يعبرها الجميع دون اكتراث.

لهذا، لا تخجل إن بدأت تهتم بنفسك أكثر.
لا تشعر بالذنب إن وضعت حدودًا.
لا تعتذر لأنك لم تعد قادرًا على حمل الجميع فوق كتفيك.

لقد تعبت بما يكفي.
ومن حق قلبك أن يجلس قليلًا بعيدًا عن الحروب.

امنح نفسك تلك الرحمة التي منحتها للعالم كله.
سامحها لأنها صدّقت، لأنها أحبت، لأنها انتظرت طويلًا، لأنها كانت نقية في زمن، صار فيه النقاء يبدو كأنه سذاجة.

ولا تصدق الذين يقنعونك أن حب الذات غرور.
فالغرور أن يرى الإنسان نفسه فوق الجميع، أما حب الذات فهو أن يتوقف أخيرًا عن رؤية نفسه أقل من الجميع.

في النهاية، نحن لا نحتاج أن نصبح أنانيين حتى نعيش بسلام.
نحتاج فقط أن نتذكر أن أرواحنا ليست مشاريع مجانية للاستنزاف.

وأن القلب الذي أعطى كثيرًا…
يستحق أخيرًا أن يجلس بجانب نفسه،
كصديق قديم عاد متعبًا من الحرب،
ويقول لنفسه بحنان:
“الآن جاء دورك أنت أيضًا… لتُحَب.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.