الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

هنا تُدفن الأحلام… دون نعش، دون تأبين، ودون أن يسأل أحد: كيف ماتت؟

ضربة قلم

في هذا الوطن، هناك مقبرة لا تحتاج إلى أرض ولا تراب…
مقبرة بلا شواهد ولا تواريخ، بلا ممرات ولا زيارات… فقط صمت كثيف، وهمس الأحلام التي ماتت وهي تبحث عن حاضن.
المقبرة الوطنية للأحلام الصغيرة، حيث تُدفن طموحات الأطفال الذين أرادوا أن يصبحوا طيارين، فوجدوا أنفسهم يقودون دراجات توصيل البيتزا.
حيث تُرمى مشاريع الشباب كما تُرمى نُسَخ السير الذاتية في سلة المهملات الإدارية، وتتحلل الأحلام، كما تتحلل أوراق الانتظار على طاولة موظف نصف نائم.

هنا تُدفن أحلام الرسامين الذين باعوا لوحاتهم بثمن علبة سردين لأن لجنة الدعم الثقافي فضّلت تمويل مهرجان الغناء بالحيوانات.
هنا يرقد شاعرٌ كتب ديوانًا عن الوطن، ولم يجد ناشرًا، فعاد لبيع السجائر بالتقسيط، وكتب قصيدة جديدة على ظهر علبة الكارو.

كل حلم يُدفن دون جنازة، دون بكاء، فقط تنهيدة طويلة من صاحبه، ثم ينهض، يهز سرواله المغبر، ويعود إلى الطابور.
الطابور الأبدي: طابور فرص الشغل، طابور السكن، طابور التقاعد، طابور الحياة.
وما إن يصل دوره، حتى يُقال له: “آسف، انتهت الحصة… عد غدًا إن بقي لك غدٌ أصلًا.”

في تلك المقبرة، ستجد حلم شابة أرادت أن تصبح طبيبة، لكنها اصطدمت بجدار المباريات المعلبة، فانتهت تبيع المراهم في السوق، وتداوي جراحها بالضحك المصطنع.
ستجد حلم أستاذ أراد أن يُدرّس في قريته، فتم نفيه إلى منطقة لا تصل إليها حتى الطيور، وحين سأل: “لماذا أنا؟”، قالوا له: “المنظومة تتطلب التوازن.”

هنا يُدفن حلم مغني موهوب، صوته كان يُشبه العصافير، لكنه لم يُغنِّ سوى في الأعراس، تحت مكبر صوت مكسور، بجانب قنينة مشروبات غازية دافئة، وحفنة من الدريهمات.
وهناك، في الركن المظلم، تجد حلم شاب أراد الهجرة، باع كل شيء، حتى صور طفولته، ركب البحر، ولم يصل… لكنه أيضًا لم يعد.

المقبرة لا تتسع، لكنها لا ترفض أحدًا.
تتوسع كل يوم، تمد أطرافها كأنها بلدية في طور التهيئة، ويُقال إن وزارة الأحلام تفكر في توسيعها رسميًا، مع خلق منصب سامٍ: “مدير عام الأحلام المجهضة”.

في هذه البلاد، الحلم لا يموت وحده، بل يُصفع أولًا، يُستجوب ثانيًا، يُسخر منه ثالثًا، ثم يُلقى في حفرة… ولا أحد يسأل عنه.
حتى القنوات لا تغطي وفاته، ولا تُجرى مقابلات مع أهله، لأن لا أحد يريد أن يعترف أن الأمل صار مهنة موسمية، تُستورد كالسردين وتُسوّق مثل القفاطين الفاخرة.

هكذا نمشي…
كل واحد منا يحمل حلمًا ميتًا على كتفه، ويقول للآخر: “لا عليك، المهم الصحة والسلامة.”
نضحك، نلعب الورق في المقاهي، نعلق على مباريات المنتخب، وندفن أحلامنا في صمت… كأنها عار.

وفي كل مرة يُسأل طفل: “شنو بغيتي تولّي ملي تكبر؟”،
ينظر إلينا…
ثم يضحك، ويقول: “ماشي بحالكم.”
لكننا نعرف، أنه بعد سنوات، سيزور نفس المقبرة…
وقد يدفن نفسه فيها، دون أن يدري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.