وأخيراً استيقظ الضمير… قضاة الافتحاص يكتشفون ما كان المواطن يعرفه منذ سنوات: منتخبون يتقاضون الصفة ويغيبون عن الواجب

ضربة قلم
في مشهد يكاد يلخص جانباً من أزمة تدبير الشأن المحلي، يبدو أن بعض المجالس المنتخبة بمدينة الدار البيضاء، لم تكتشف فجأة أن هناك مستشارين يتغيبون عن الدورات، فهؤلاء كانوا معروفين بالأسماء والصفات، والكراسي الفارغة كانت شاهدة عليهم دورة بعد أخرى، غير أن “الضمير الإداري” لم يستيقظ إلا عندما طرق قضاة المجلس الجهوي للحسابات الأبواب، وبدأت أسئلة الافتحاص تُطرح بلغة القانون والأرقام.
فجأة، تحولت ظاهرة كانت تعتبر أمراً عادياً داخل بعض المجالس إلى ملف مستعجل، يستوجب إدراج نقاط إضافية في جداول الأعمال، وكأن المنتخبين المتغيبين ظهروا للتو من العدم، بينما الحقيقة أن القانون التنظيمي للجماعات، كان واضحاً منذ سنوات، إذ يعتبر العضو الذي يتغيب عن ثلاث دورات متتالية أو خمس دورات متفرقة، دون مبرر مقبول مقالا بحكم القانون.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس لماذا ستتم إقالة هؤلاء المنتخبين، بل لماذا لم تتم معاينة إقالتهم في الوقت المناسب؟ ولماذا استمر بعضهم في الاحتفاظ بصفته التمثيلية، رغم توفر الشروط القانونية التي تؤدي إلى فقدان العضوية؟ وهل كان الأمر مجرد سهو إداري، أم أن حسابات سياسية وتحالفات انتخابية، جعلت البعض يفضل غض الطرف عن تطبيق القانون؟
الأخطر من الغياب نفسه هو أن المواطن الذي منح صوته للمنتخب كان يعتقد أن هذا الأخير يدافع عن مصالحه داخل المجلس، بينما كان المقعد شاغراً في كثير من الأحيان، دون أن تتحرك المساطر القانونية بالسرعة المطلوبة. فكيف يمكن الحديث عن الديمقراطية المحلية، إذا كان بعض المنتخبين يغيبون عن أهم فضاء للتداول واتخاذ القرارات المتعلقة بالطرق والإنارة والنظافة والحدائق والخدمات الأساسية؟
وعلى ضوء المعطيات المتداولة، يبدو أن قضاة الافتحاص، لم يتوقفوا عند مسألة الغياب فقط، بل فتحوا ملفات أخرى مرتبطة باحترام المساطر القانونية لتسيير الدورات والتصويت والتدبير الإداري والمالي. وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى احترام مقتضيات الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل عدد من الجماعات والمقاطعات.
ومن الثغرات التي تستحق بدورها التمحيص، مسألة التعويضات والمصاريف المرتبطة ببعض المنتخبين المتغيبين بشكل متكرر، إذ ينتظر الرأي العام معرفة ما إذا كانت جميع الإجراءات الإدارية المرتبطة بالحضور والتمثيل قد تم احترامها، وما إذا كانت سجلات الحضور ومحاضر الدورات تعكس بدقة واقع المشاركة الفعلية للأعضاء.
كما يطرح الملف إشكالاً آخر يتعلق بمسؤولية الرؤساء أنفسهم، لأن القانون لا يكتفي بمعاقبة المنتخب المتغيب، بل يرتب أيضاً مسؤوليات على من يتقاعس عن تفعيل المساطر القانونية أو يتأخر في إشعار السلطات المختصة بحالات الإقالة المفروضة قانوناً. لذلك فإن السؤال لم يعد موجهاً فقط إلى المنتخب الذي غاب، بل أيضاً إلى من سمح باستمرار هذا الغياب دون اتخاذ الإجراءات اللازمة.
لقد اعتاد المواطن المغربي على مشاهدة منتخبين، لا يظهرون إلا خلال الحملات الانتخابية أو عند التقاط الصور التذكارية، ثم يختفون سنوات طويلة عن الاجتماعات واللجان وأشغال المجالس، قبل أن يعودوا مجدداً لطلب الأصوات. ولذلك فإن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في إقالة بضعة مستشارين متغيبين، بل في ترسيخ ثقافة جديدة تجعل المقعد الانتخابي مسؤولية يومية وليس امتيازاً موسمياً.
وأخيراً، يبدو أن الرقابة المالية والإدارية بدأت تقول بصوت مرتفع ما كان المواطن يردده منذ سنوات: لا معنى لمنتخب لا يحضر، ولا قيمة لعضوية لا تمارس، ولا جدوى من قوانين تبقى حبيسة النصوص إلى أن يأتي مفتش أو قاضٍ، ليذكر الجميع بأن القانون وُجد أصلاً ليُطبق، لا ليُؤجل إلى حين استيقاظ الضمير.




