وأخيرًا تم اعتقال المشتبه فيه الرئيسي في فيديو “سقي طفل مادة مسكرة” بالقرب من مدينة بنسليمان

ضربة قلم
في وقت أصبحت فيه بعض المقاطع المصورة، تنتشر بسرعة البرق على مواقع التواصل الاجتماعي، لم يكن الفيديو الذي أظهر طفلًا صغيرًا يُدفع نحو استهلاك مادة يُشتبه في كونها مسكرة مجرد “لقطة عابرة” أو مشهد صادم للاستهلاك الرقمي، بل صفعة أخلاقية قوية هزّت مشاعر المغاربة، وأعادت إلى الواجهة سؤالًا مقلقًا: إلى أي حد يمكن أن يصل بعض البشر في العبث ببراءة الأطفال فقط من أجل الضحك الرخيص أو صناعة “البوز”؟
البلاغ الصادر عن المديرية العامة للأمن الوطني، يكشف أن التعامل مع القضية لم يكن عاديا أو متسرعا، بل جاء على ضوء معطيات دقيقة وفرتها مصالح المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، وهو ما يعكس مرة أخرى حجم اليقظة الأمنية والتفاعل السريع مع القضايا التي تستفز الرأي العام، وتمس بصورة مباشرة سلامة الأطفال وكرامتهم.
العملية الأمنية تم تنفيذها بدوار “الخصاصمة، بجماعة مالين الواد” التابعة لإقليم بنسليمان، وفق ما ورد في البلاغ الرسمي.
المثير للأسف في هذه الواقعة، أن الأبحاث الأولية أظهرت بأن الطفل الضحية ليس غريبا عن المشتبه فيهما، بل هو ابن شقيقهما، أي أن الجريمة، لم تأت من وحش مجهول في زقاق معتم، وإنما من داخل دائرة يفترض أنها عنوان للحماية والحنان والرعاية. وهنا تكمن الصدمة الحقيقية؛ لأن سقوط بعض القيم داخل الأسرة أخطر بكثير من أي انحراف يأتي من الخارج.
لقد أصبح البعض مستعدا لفعل أي شيء من أجل إثارة الانتباه، حتى ولو تعلق الأمر باستغلال طفل لا يتجاوز عمره ست سنوات، لا يملك القدرة على الفهم أو الرفض أو حماية نفسه. فهناك من حولوا مواقع التواصل إلى مسرح عبثي، حيث تختلط التفاهة بانعدام الضمير، ويُقدَّم كل شيء قربانا للمشاهدات والتعليقات والضحك المؤقت.
وفي مقابل هذا الانحدار، يبرز التحرك الأمني السريع كرسالة واضحة، مفادها أن العبث ببراءة الأطفال ليس مجالا للتساهل أو التبرير أو “المزاح الثقيل”، وأن القانون حاضر لحماية الفئات الهشة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأفعال تمس السلامة الجسدية والنفسية لقاصر.
المجتمع المغربي اليوم، لا يحتاج فقط إلى توقيف المتورطين، بل يحتاج أيضا إلى وقفة جماعية لإعادة الاعتبار للتربية والقيم والوعي، لأن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في فيديو صادم، بل في تحول بعض السلوكيات المنحرفة إلى مادة للفرجة والتسلية، وسط تصفيق البعض وصمت البعض الآخر.
إن براءة الأطفال ليست لعبة، وليست مادة للضحك، وليست وسيلة لصناعة الشهرة الرخيصة. وحين يصبح الطفل ضحية داخل محيطه العائلي، فإن الأمر يتجاوز الواقعة المعزولة ليصبح جرس إنذار أخلاقيا واجتماعيا يستحق التوقف والتأمل.




