“وإنما أولادنا بيننا أكبادنا”… حين يتكلم القلب قبل القلم

العربي ازعارة
رغم أنني لست ممن يواظبون على الكتابة كما يفعل الكتاب والصحافيون المحترفون الذين يأكلون الحبر ويشربونه، إلا أنني أجدني أحيانا مضطرا، بل مدفوعا من أعماقي، لأمسك بالقلم عندما تمسني هواجس التربية، أو تشغلني هموم المربين، أولئك الزملاء الشرفاء الذين لا تغريهم الأضواء ولا يسعون إلى الشهرة، ولكنهم حاضرون دائما في ساحات البذل والعطاء بصمت الأنبياء وعظمة التواضع.
إنني أكتب لهم، عنهم، ومن خلالهم… أكتب لمن قضى زهرة عمره بين جدران الأقسام، يزرع في عقول الناشئة بذور العلم، وفي قلوبهم نبل القيم. أكتب لهم لأنهم، ببساطة، يستحقون أن يُحتفى بهم، وأن تُنقل معاناتهم اليومية في صراعهم الصامت مع واقع لا يعترف كثيرا بالجنود الذين ينسجون مستقبل الأوطان من خيوط الأمل والمعرفة.
وإذا كان الشعراء قديما قد نظموا أبلغ ما قيل في مشاعر الإنسان النبيلة، فإن قول الشاعر الإسلامي حِطّان بن المُعَـلَّى، الذي أورده أبو تمام في الحماسة، يبقى من أخلد ما قيل في حب الأبناء، حين قال:
“وإنما أولادُنا بيننا
أكبادُنا تمشي على الأرضِ”
فأي تصوير أبلغ من هذا؟ وأي محبة تضاهي هذا الحب لفِلْذَة الكبِد؟
إنها ليست فقط كلمات شاعر، بل صيحة وجدان، وتجسيد لعلاقة فطرية عميقة، لا تعرف منطق السوق، ولا تحتكم لمعادلات الربح والخسارة. فحب الآباء للأبناء هو ذلك النهر السرمدي الذي لا يجف، وتلك النار الدافئة التي لا تنطفئ، حتى وإن خَفُت وهجها تحت رماد الحياة اليومية وضغوطها القاسية.
وإذا كانت هذه العاطفة الجارفة تسكن قلوب الآباء والأمهات عموما، فإنها تتخذ طابعا أكثر تعقيدا لدى المربين، لأنهم لا ينظرون إلى التلاميذ بعين التقييم فقط، بل بعين المسؤولية والرعاية. فكل تلميذ أمامهم هو إبن محتمل، وأمل قابل للإنبات، و”كَبِد” تمشي على الأرض كما قال حطان.
لهذا تجد المربي -غالبا- أكثر الناس حساسية إزاء أي تقصير أو هدر أو ظلم قد يلحق بالطفل أو المراهق. لأنه، في العمق، لا يرى فيه مجرد متلقٍ للمعرفة، بل يرى فيه مشروعا إنسانيا كاملا، يجب أن يُصان ويُوجه ويُربى، لا فقط يُلقَّن.
لقد آن الأوان، في زمن التحولات الرقمية الجارفة والقيم المتآكلة، أن نستعيد ذلك المعنى النبيل في التربية، الذي يحيل إلى الحب والرعاية قبل النظام والتقييم. فكم من متعلم لا يفتقد الذكاء، بل يفتقد الحضن الذي يطمئنه، والنظرة التي تعترف به، والكلمة التي ترفعه بدلاً من أن تُقصيه.
من هنا، فإن استحضار قول حطان بن المعلى في سياقنا المعاصر، هو بمثابة دعوة للمربين –وللمجتمع عامة– لأن يتأملوا مجددا في طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تجمعهم بالأبناء، سواء داخل البيت أو خارجه. إنها ليست علاقة سلطة، بل علاقة قلب بقلب، ونَفَس بنَفَس، ومسؤولية متبادلة بين من يَعلِّم ومن يتعلَّم.
ففي النهاية، قد نختلف في المناهج والبرامج، ونحتدم في النقاش حول التقويم والوسائل، لكننا لا نختلف –ولن نختلف– حول أن أبناءنا هم أكبادنا، وأن الحفاظ عليهم، ورعايتهم، وتربيتهم تربية سليمة متوازنة، هو رهان الحياة كلها.





https://shorturl.fm/Kp34g
https://shorturl.fm/DA3HU