واش فينا ما يتقسم؟ اليسار المغربي بين إدمان الخلاف وفشل الالتئام

ضربة قلم
مرة أخرى، يجد اليسار المغربي نفسه، أمام مرآة لا ترحم. إعلان ميلاد “تيار جديد” من داخل الحزب الاشتراكي الموحد، لم يكن حدثًا عابرًا، بل كشف من جديد عن ذلك الخيط الرفيع، الذي يفصل بين الاختلاف المشروع والانقسام المزمن. خيط يبدو أن هذا التيار، مثل غيره من التجارب السابقة، لا يستطيع الإمساك به طويلًا، قبل أن يتحول إلى شرخ واضح.
المثير في هذه الواقعة، ليس فقط ظهور التيار، بل ردود الفعل التي رافقته. بين من اعتبره محاولة للتجديد من الداخل، ومن رآه بداية لتفكيك جديد، يتأكد أن الإشكال أعمق من مجرد خلاف تنظيمي. نحن أمام أزمة ثقافة سياسية، حيث يتحول النقاش بسرعة إلى اصطفاف، والاختلاف إلى مشروع انفصال، وكأن اليسار، لم يتصالح بعد مع فكرة التعدد داخل الوحدة.
كل تيار، يولد وهو يرفع شعار الإصلاح، وكل قيادة تردّ بشعار الانضباط، وبين الشعارين، تضيع الفكرة الأصلية: كيف نختلف دون أن ننقسم؟ هذا السؤال البسيط ظل معلقًا لسنوات داخل البيت اليساري، دون جواب حاسم، لأن الممارسة اليومية تناقض الخطاب المعلن. الجميع يتحدث عن الديمقراطية الداخلية، لكن عند أول اختبار حقيقي، ينكشف الهشّ تحت الصلب.
الأكثر إثارة للسخرية أن هذه التحولات تأتي في وقت ترتفع فيه الدعوات إلى توحيد الصف اليساري استعدادًا للاستحقاقات المقبلة. خطاب الوحدة يتردد بقوة في الندوات والتصريحات، لكن على أرض الواقع، تتكاثر التيارات وتتعقد الخلافات. كأن اليسار المغربي يعيش ازدواجية مزمنة: يدعو إلى التجميع، ويمارس التفتيت.
المشكلة ليست في وجود الاختلاف، فالاختلاف شرط لأي حيوية سياسية. لكن حين يغيب التأطير المؤسساتي القادر على استيعاب هذا الاختلاف، يتحول إلى قنبلة موقوتة. وهنا يظهر العطب الحقيقي: ضعف الآليات التنظيمية، وغياب تقاليد راسخة لإدارة التباين، مما يجعل كل نقاش داخلي مرشحًا، لأن ينتهي بانقسام جديد.
ولا يتوقف الأثر عند حدود التنظيمات، بل يمتد إلى صورة اليسار لدى الرأي العام. المواطن الذي يتابع هذه الصراعات، لن يرى فيها نقاشًا فكريًا عميقًا، بل سيقرأها كصراع مواقع أو تصفية حسابات. وحين تضيع الثقة، يصبح من الصعب إقناع الناس بأي مشروع، مهما كان نبيلًا في شعاراته.
ومع ذلك، يبقى اليسار حاجة مجتمعية قائمة، لأنه يحمل في جوهره مطالب العدالة والإنصاف. لكن هذه الحاجة، تصطدم بواقع مرتبك، حيث يبدو اليسار أقرب إلى فكرة جميلة منه، إلى قوة قادرة على الفعل والتأثير.
في النهاية، لم يعد السؤال: لماذا ينقسم اليسار؟
بل أصبح: هل يستطيع أصلًا أن يعيش دون انقسام؟
سؤال بسيط في صياغته، عميق في دلالته:
واش فينا ما يتقسم… ولا تعودنا على التفرّق حتى أصبح قدَرًا؟




