
ضربة قلم
في زمن أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي، مصدراً رئيسياً للأخبار بالنسبة لشريحة واسعة من الناس، لم يعد غريباً أن تنتشر وثيقة مزورة انتشار النار في الهشيم، خاصة إذا كانت مصممة بإتقان، وتستند إلى أحداث تاريخية حقيقية، وتلامس في الوقت نفسه مشاعر الجمهور.
هذا بالضبط ما حدث مع الوثيقة المنسوبة إلى “البروتوكول الإضافي لاتفاقيات إكس ليبان لسنة 1955”، والتي جرى تداولها على نطاق واسع، على أنها وثيقة سرية تضمنت بنداً غريباً ينص على أن المنتخب المغربي، يلتزم بقبول الهزيمة أمام المنتخب الفرنسي في حالة مواجهتهما في كأس العالم، مقابل ألا يتجاوز المنتخب الفرنسي تسجيل هدفين.
وللوهلة الأولى، قد يعتقد القارئ غير المتخصص أنه أمام وثيقة تاريخية حقيقية. فالورق يبدو قديماً، والصياغة القانونية متقنة، والخاتم والتوقيعات يمنحانها مظهراً رسمياً يوحي بالمصداقية.
غير أن التدقيق في مضمونها يكشف بسرعة أنها وثيقة مزورة بالكامل، صممت في إطار السخرية السياسية والرياضية، قبل أن تتحول، مع مرور الوقت، إلى مادة للتضليل لدى بعض المتابعين.
فأول دليل على زيف الوثيقة يتمثل في المادة الثالثة، التي تتحدث عن مواجهة بين المنتخبين المغربي والفرنسي في منافسات كأس العالم التابعة للاتحاد الدولي لكرة القدم، وتلزم المنتخب المغربي بقبول الهزيمة، مقابل تعهد فرنسا بعدم تسجيل أكثر من هدفين.
ومن الناحية التاريخية، يبدو هذا الكلام مستحيلاً.
ففي سنة 1955، كانت مفاوضات إكس ليبان تدور حول مستقبل المغرب السياسي، وإنهاء نظام الحماية، ولم يكن موضوع كرة القدم أو كأس العالم مطروحاً أصلاً على طاولة المفاوضات.
بل إن المغرب، في تلك الفترة، لم يكن قد أسس بعد مؤسساته الرياضية الوطنية بالشكل الذي نعرفه اليوم، إذ أُنشئت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم سنة 1956، وانضمت إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) سنة 1960. وبالتالي، فإن الحديث سنة 1955 عن التزام منتخب مغربي بنتيجة مباراة مستقبلية في كأس العالم، يدخل في باب الخيال لا التاريخ.
كما أن الصياغة نفسها تكشف الطابع الساخر للوثيقة، إذ يصعب تصور أن تتضمن معاهدة دولية عبارة من قبيل: “يلتزم بقبول الهزيمة”، وهي عبارة لا مكان لها في لغة القانون الدولي، ولا في الأعراف الدبلوماسية.
ولعل أكثر ما يفضح هذه الوثيقة هو الإشارة إلى عدم تسجيل فرنسا أكثر من هدفين، في إحالة ساخرة إلى نتيجة مباراة نصف نهائي كأس العالم بقطر سنة 2022، التي انتهت بفوز المنتخب الفرنسي بهدفين دون رد، وكأن صانع الوثيقة أراد أن يقدم تفسيراً هزلياً لتلك النتيجة، بالقول إن الأمر لم يكن نتيجة مباراة رياضية، بل تنفيذ لبند سري يعود إلى سنة 1955.
ولذلك، فإن المؤرخين والباحثين الذين اشتغلوا على مفاوضات إكس ليبان، لم يسبق أن أشاروا إلى وجود أي “بروتوكول إضافي” من هذا النوع، كما لا توجد أي وثيقة رسمية محفوظة في الأرشيفين المغربي أو الفرنسي، تتضمن مثل هذه البنود.
إن هذه الواقعة تعيد إلى الواجهة أهمية التحقق من المعلومات قبل تداولها، لأن التطور الكبير في تقنيات التصميم والذكاء الاصطناعي أصبح يسمح بإنتاج وثائق تبدو شديدة الواقعية، رغم أنها لا تستند إلى أي أساس تاريخي أو قانوني.
ولا شك أن السخرية السياسية والرياضية، تبقى شكلاً من أشكال التعبير المشروع، ما دامت تقدم على أنها عمل فكاهي أو “ميم” ساخر، لكن الإشكال يبدأ عندما تُنتزع من سياقها وتُقدم للرأي العام، باعتبارها وثيقة أصلية، فتتحول من دعابة إلى وسيلة لنشر معلومات غير صحيحة.
ولعل ما دفع عدداً من المغاربة إلى تصديق هذه الوثيقة المزورة، هو المستوى المتواضع الذي ظهر به المنتخب المغربي في مباراته الأخيرة أمام المنتخب الفرنسي، في ربع نهائي كأس العالم 2026، والذي بدا مختلفاً، في نظر كثير من المتابعين، عن الأداء القوي والمقنع الذي قدمه في مبارياته السابقة خلال هذه البطولة. غير أن هذا الانطباع، مهما كان، لا يمكن أن يحول وثيقة ساخرة إلى حقيقة تاريخية، ولا يغني عن ضرورة التحقق من المصادر قبل تبني أي رواية أو إعادة نشرها.




