الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسةمجتمع

وثيقة انتخابية تفتح باب الأسئلة في سيدي بطاش.. واش وصلنا حتى لهذا المستوى؟

ضربة قلم

انتشرت خلال الساعات الأخيرة، على مواقع التواصل الاجتماعي، وثيقة انتخابية، أثارت الكثير من علامات الاستفهام، ليس فقط بسبب مضمونها، وإنما لأن الأمر يتعلق، بحسب ما يظهر من الوثيقة نفسها، بمحضر لمكتب تصويت خلال الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026.

والقصة، إذا صحت كل المعطيات الواردة فيها، ليست مجرد خلاف عابر داخل مكتب للتصويت، ولا مجرد سوء تفاهم بين أشخاص اختلفوا حول مسألة إجرائية.

نحن أمام شيء أخطر بكثير…

لأن مكتب التصويت ليس مقهى، ولا مجلساً جماعياً، ولا فضاءً يمكن لأي شخص أن يفرض فيه رأيه بالقوة أو بالنفوذ أو بالمكانة.

إنه المكان الذي يفترض، أن تكون فيه كلمة واحدة فوق الجميع: القانون.

الوثيقة التي بين أيدينا تحمل عنوان «محضر مكتب التصويت»، وتتعلق بالاقتراع الخاص بانتخاب أعضاء مجلس النواب، يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026، وتحدد مكتب التصويت رقم 3 بجماعة سيدي بطاش بإقليم بنسليمان.

والأكثر إثارة فيها، هو ما دُوّن في خانة «الملاحظات عند الاقتضاء»، حيث سجل أعضاء المكتب، بخط اليد، واقعة تتعلق بتدخل رئيس الجماعة، داخل مكتب التصويت أثناء سير العملية الانتخابية.

وبحسب ما ورد في المحضر، فقد نشب خلاف حول محاولة تمكين امرأة من التصويت بواسطة ابنها، قبل أن يتدخل رئيس المكتب ويعتبر أن الأمر، لا يستقيم مع القواعد المنظمة للعملية الانتخابية، لتتطور الواقعة إلى توتر داخل المكتب.

وهنا بالضبط تبدأ الحكاية الحقيقية.

فالمشرع، لم يترك مكتب التصويت بلا صاحب اختصاص. القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، يحدد بشكل واضح مهام رئيس المكتب وأعضائه، كما يمنح ممثلي اللوائح حق مراقبة التصويت، والفرز والإحصاء، وتضمين ملاحظاتهم في المحضر. بل إن وزارة الداخلية ذكّرت، قبيل انتخابات 23 شتنبر، بهذه الحقوق والضمانات بشكل صريح.

والأهم من ذلك أن القانون، لا يتعامل مع سلامة العملية الانتخابية، باعتبارها مسألة شكلية.

فالقانون التنظيمي رقم 27.11 يتضمن مقتضيات زجرية بشأن الأفعال التي تمس نزاهة الاقتراع أو تحول دون سيره، كما أن المادة 57 تنص على عقوبة في حالة امتناع رئيس مكتب التصويت عن تسليم نسخة من المحضر، لممثل لائحة، ترشيح كان حاضراً وفق الشروط القانونية.

لكن ماذا وقع في سيدي بطاش؟

هنا يجب أن نتوقف قليلاً.

لأن الوثيقة، مهما بدت رسمية، لا تعني وحدها أن كل ما ورد فيها أصبح حقيقة قضائية نهائية.

هي وثيقة توثق ما سجله أعضاء مكتب التصويت، وهي مهمة جداً في توثيق الواقعة، لكنها ليست حكماً قضائياً.

واللافت أن ما ورد في الصورة يتقاطع مع ما نشرته وسائل إعلام مغربية خلال الأيام الأخيرة، إذ تحدثت تقارير عن مكتب التصويت رقم 3 بالمدرسة الجماعاتية ابن طفيل بجماعة سيدي بطاش، وعن تقرير وقعه أعضاء المكتب ورفع إلى السلطات، كما أوردت مصادر إعلامية، أن الملف وصل إلى النيابة العامة، وأن تعليمات صدرت للاستماع إلى الأطراف المعنية.

وهذا يعني أن المسألة، لم تعد مجرد «صورة مجهولة على فيسبوك»، كما قد يحاول البعض اختصارها.

لكن في المقابل، لا ينبغي أن نحول محضراً انتخابياً إلى حكم بالإدانة.

القضاء هو الذي يقول كلمته الأخيرة.

والسؤال الأكبر: ماذا يقع عندما يدخل النفوذ إلى مكتب التصويت؟

هنا لا نتحدث عن شخص بعينه فقط، ولا عن جماعة بعينها.

السؤال أوسع بكثير.

ماذا سيبقى من معنى الانتخابات إذا أصبح رئيس جماعة، أو منتخب، أو مسؤول، أو أي شخص له نفوذ، قادراً على الدخول إلى مكتب التصويت والتدخل في عملية، يفترض أن تكون محكومة بالقانون وحده؟

الانتخابات ليست ملكاً للأحزاب.

وليست ملكاً لرؤساء الجماعات.

وليست ملكاً للمترشحين.

وليست حتى ملكاً، لأعضاء مكتب التصويت.

إنها في النهاية حق للناخبين جميعاً.

ولهذا، فإن أي شبهة تتعلق بسير العملية الانتخابية تستحق التحقيق والتوضيح، لا التستر ولا الصمت.

والأخطر من الواقعة نفسها هو أن تمر مثل هذه الوثيقة على مواقع التواصل الاجتماعي، ويشاهدها الناس، ثم لا يجدون أمامهم توضيحاً رسمياً واضحاً، يجيب عن الأسئلة البسيطة:

هل الوثيقة صحيحة؟

هل المحضر حقيقي؟

هل وقع فعلاً ما ورد فيه؟

هل تم فتح بحث؟

ومن المسؤول عن تحديد ما إذا كان هناك خرق للقانون من عدمه؟

هذه الأسئلة ليست تشويشاً على الانتخابات.

بل هي، في حد ذاتها، جزء من حماية الثقة في الانتخابات.

فإذا كانت الوثيقة صحيحة، فمن حق الرأي العام، أن يعرف ماذا حدث بعد تحريرها.

وإذا كانت غير صحيحة، فمن حق المواطنين أيضاً أن يعرفوا ذلك من الجهة المختصة، وبسرعة ووضوح، حتى لا تتحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى محكمة، تصدر أحكامها قبل أن يبدأ التحقيق.

هل نقطع كل هذه المسافة في بناء المؤسسات والقوانين والانتخابات، ثم نعود في لحظة واحدة إلى منطق «أنا عندي النفوذ إذن كلمتي هي التي تمشي»؟

إذا كان الأمر مجرد واقعة، تم تضخيمها، فليظهر التحقيق ذلك.

وإذا كانت الوثيقة صحيحة والوقائع ثابتة، فهنا يصبح الأمر أكثر خطورة، لأن المشكلة، لا تعود مرتبطة بشخص أو مكتب تصويت فقط، وإنما بصورة المؤسسات وبالثقة التي يفترض أن ترافق العملية الانتخابية.

الانتخابات يمكن أن تنتهي بإغلاق الصناديق وفرز الأصوات وإعلان النتائج… لكن الثقة لا تُفرز داخل الصندوق.

الثقة تُبنى من التفاصيل الصغيرة.

ومن بينها أن يعرف كل واحد داخل مكتب التصويت، أن القانون هو رئيس المكتب الحقيقي… ولا أحد فوقه.

وإذا كانت هذه الوثيقة صحيحة، فالسؤال ليس فقط: ماذا وقع في سيدي بطاش؟

السؤال الحقيقي هو: ماذا ستقول الجهات المختصة للرأي العام عما وقع؟

وهنا، ربما، تبدأ الحكاية التي تستحق فعلاً أن تُروى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.