
ضربة قلم
في سياق استحضار الذاكرة الجماعية، وفتح النقاش حول واحدة من أكثر الصفحات إيلامًا، في تاريخ العلاقات المغاربية، تحتضن الساحة الفكرية لقاءً مميزًا من خلال ندوة تحمل عنوانًا دالًا وعميقًا:
“حتى لا ننسى… مع من حشرنا الله في الجوار – مرحلون يحكون تفاصيل الجريمة”، وهي ندوة لا تكتفي باسترجاع الماضي، بل تسعى إلى مساءلته وتحليله، وإعادة قراءته من زاوية إنسانية وحقوقية.
هذه الندوة الفكرية تنظمها كل من شبكة تفكير، ومنصة مغاربة العالم، إلى جانب مبادرة “الحدث الإفريقي”، في إطار انشغال مشترك، بإحياء النقاش حول قضايا الذاكرة والتاريخ، وربطها بأسئلة الحاضر ورهانات المستقبل.
ويؤطر هذا اللقاء، ثلة من الأسماء التي تمثل تجارب متنوعة، حيث يشارك فيه كل من ميمون بنميمون وأحمد عيساوي وجمال العثماني، فيما يتولى تقديم وتسيير أشغال الندوة عبدالله العبادي، بما يضمن تأطيرًا إعلاميًا وفكريًا يليق بحساسية الموضوع.
وتنعقد هذه الندوة اليوم الأربعاء 25 مارس 2026، ابتداءً من الساعة التاسعة ليلاً (21:00)، في موعد يتجاوز كونه محطة زمنية عادية، ليصبح لحظة رمزية، لاستحضار ذاكرة لا تزال حاضرة في وجدان آلاف الأسر.
يحمل عنوان الندوة حمولة دلالية ثقيلة، تكشف عن إرادة صريحة في مقاومة النسيان، وفتح المجال أمام شهادات حية لمرحّلين عايشوا تفاصيل جريمة عصية على المحو من الذاكرة الجماعية. فالأمر لا يتعلق هنا بسرد تاريخي بارد، بقدر ما هو محاولة، لإعادة الاعتبار للرواية الإنسانية، تلك التي كثيرًا ما تُقصى لصالح قراءات سياسية جافة، تُفرغ الحدث من عمقه الإنساني.
وتكمن أهمية هذه الندوة في كونها، تسعى إلى تحقيق عدة أهداف متكاملة؛ فهي من جهة، تُمكّن الضحايا من التعبير عن معاناتهم واستعادة صوتهم، ومن جهة أخرى، تفتح نقاشًا فكريًا حول مفاهيم العدالة التاريخية، والإنصاف، وضرورة الاعتراف كمدخل للمصالحة مع الماضي. كما تطرح أسئلة عميقة، حول دور المثقف والإعلامي في إعادة كتابة التاريخ، بعيدًا عن الانتقائية أو التوظيف السياسي.
ولا تقف الندوة عند حدود البعد التوثيقي، بل تتجاوزه إلى تحليل الخلفيات والسياقات التي أفرزت هذه الأحداث، واستكشاف تأثيراتها المستمرة على العلاقات بين الشعوب، وعلى تمثلات الذاكرة الجماعية، خاصة في ظل تحولات إقليمية ودولية، تجعل من استحضار الماضي ضرورة لفهم الحاضر.
إن تنظيم مثل هذه الندوة اليوم، يحمل في طياته رسالة واضحة، مفادها أن الذاكرة، لا يمكن طيّها بقرار، وأن الجراح التي لم تُعالج تبقى مفتوحة، وأن الإنصات لشهادات الضحايا، ليس ترفًا فكريًا، بل واجب أخلاقي وإنساني.
وبين استحضار الألم، والسعي نحو الفهم، تظل هذه الندوة، محاولة جادة لإعادة التوازن، بين الرواية الرسمية والرواية الإنسانية، وبين الصمت والكلام، وبين النسيان والذاكرة… حتى لا ننسى.




