
ضربة قلم
هناك أشخاص لا يرحلون وحدهم حين يرحلون. معهم تغادر حقبة كاملة، وتنطفئ أضواء مرحلة تاريخية بأكملها، ويشعر المرء وكأن الزمن نفسه، قد أغلق باباً ظل مفتوحاً لعقود طويلة. هكذا يبدو رحيل إدغار موران، المفكر الفرنسي الذي عاش أكثر من قرن، وعبر القرن العشرين كله تقريباً، شاهداً ومشاركاً ومحللاً وناقداً ومفكراً لا يهدأ.
حين ننعى اليوم إدغار موران، فإننا لا ننعى رجلاً معمّراً فحسب، ولا فيلسوفاً أو عالم اجتماع، ترك عشرات المؤلفات والدراسات، بل نودّع ما يمكن اعتباره آخر عنقود مثقفي فرنسا الكبار، أولئك الذين كانت أسماؤهم، تتجاوز حدود الجامعات والمدرجات الأكاديمية، لتصبح جزءاً من الحياة العامة ومن النقاش السياسي والاجتماعي والثقافي في فرنسا والعالم.
لقد كانت فرنسا، لعقود طويلة، تُعرف ليس فقط بقوتها الاقتصادية أو العسكرية أو الدبلوماسية، بل أيضاً بقوتها الفكرية الهائلة. كانت باريس عاصمة للفكر العالمي، كما كانت عاصمة للفن والأدب. منها خرجت أفكار هزّت العالم، وغيرت مسارات التاريخ. وكانت المقاهي الباريسية أحياناً، لا تقل تأثيراً عن قاعات البرلمانات، لأن المفكرين والفلاسفة كانوا يصنعون فيها ما يشبه المختبرات المفتوحة للأفكار الكبرى.
في تلك البيئة، نشأ جيل استثنائي من المثقفين الذين لم يكتفوا بإنتاج الكتب، بل شاركوا في تشكيل الوعي العام. كانوا يناقشون الحرب والسلم، والاستعمار والتحرر، والعدالة والحرية، والديمقراطية والديكتاتورية، والعلم والدين، والإنسان ومستقبله. كانت لهم مواقف، وكانت لهم شجاعة فكرية، وكانوا مستعدين لدفع ثمن آرائهم مهما كان الثمن.
ينتمي إدغار موران إلى ذلك الجيل النادر الذي عاش الأحداث الكبرى، لا باعتباره متفرجاً عليها من بعيد، بل باعتباره جزءاً منها. عاش الحرب العالمية الثانية، وواجه الاحتلال النازي، وانخرط في المقاومة الفرنسية، ثم شهد انهيار الإمبراطوريات الاستعمارية، وصعود الحرب الباردة، وسقوط جدار برلين، وانفجار الثورة الرقمية، والتحولات العميقة التي عرفها العالم خلال أكثر من مائة عام.
ولعل ما جعل موران مختلفاً عن كثير من المفكرين هو رفضه الدائم للتبسيط. ففي زمن كان الجميع يبحث عن أجوبة سهلة، كان هو يصر على أن العالم أكثر تعقيداً مما نتصور. وفي زمن كانت الأيديولوجيات تقدم نفسها باعتبارها الحقيقة المطلقة، كان يذكر الجميع بأن الحقيقة متعددة الوجوه، وأن الإنسان لا يمكن اختزاله في معادلات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية ضيقة.
لقد كان يؤمن بأن الفكر الحقيقي يبدأ حين نعترف بتعقيد الواقع، لا حين نهرب منه. ولذلك ظل يدافع طوال حياته عن ما أسماه “الفكر المركب”، وهو مشروع فكري حاول من خلاله بناء جسور بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية والفلسفة والسياسة والتاريخ، لأن الإنسان في نظره كائن معقد لا يمكن فهمه من زاوية واحدة.
وربما لهذا السبب بالذات حافظ موران على حضوره الفكري حتى سنواته الأخيرة. بينما اختفى كثير من أبناء جيله أو تحولوا إلى مجرد أسماء في كتب التاريخ، ظل هو حاضراً في النقاشات الكبرى، يكتب ويحاضر ويحذر من المخاطر التي تهدد البشرية، سواء تعلق الأمر بالأزمات البيئية أو الحروب أو تنامي الفردانية أو هيمنة التكنولوجيا على الحياة الإنسانية.
ومع ذلك، فإن الحزن الذي يرافق رحيله، لا يرتبط بشخصه وحده، بل بما يرمز إليه. فبرحيل إدغار موران يشعر كثيرون بأن زمناً كاملاً يقترب من نهايته. زمن كان فيه المثقف شخصية مركزية في المجتمع، تُستمع آراؤه باحترام، وتُقرأ كتبه بشغف، وتُناقش أفكاره في الجامعات والمقاهي والبرامج التلفزيونية والبرلمانات.
أما اليوم، فقد تغير العالم كثيراً. أصبحت الشهرة أسرع من المعرفة، وأصبح الضجيج أعلى من الفكرة، وأصبحت المنصات الرقمية تصنع نجوماً في أيام قليلة، ثم تنساهم في أيام قليلة أخرى. وتحول الفضاء العام في كثير من الأحيان إلى ساحة للمواقف السريعة والانفعالات العابرة، بينما تراجعت مكانة التفكير العميق، والقراءة المتأنية والنقاش الفكري الرصين.
ليس المقصود هنا تمجيد الماضي أو البكاء عليه، فلكل عصر خصوصياته ورجاله، لكن من الصعب إنكار أن جيل موران، كان يمثل نموذجاً خاصاً للمثقف؛ نموذجاً يجمع بين المعرفة الواسعة والالتزام الأخلاقي والشجاعة الفكرية والاستقلالية في التفكير.
لقد كان هؤلاء المثقفون يؤمنون بأن دورهم لا يقتصر على تفسير العالم، بل يمتد إلى مساءلته ونقده والتنبيه إلى مخاطره. كانوا يشعرون بمسؤولية تجاه المجتمع وتجاه الإنسانية، ولذلك لم تكن كتاباتهم مجرد تمارين أكاديمية، بل كانت محاولات لفهم مصير الإنسان والدفاع عن كرامته.
ومع رحيل إدغار موران، يبدو المشهد الثقافي الفرنسي، وكأنه يفقد آخر الجسور التي كانت تربطه بذلك العصر الذهبي للفكر الفرنسي. عصر سارتر وكامو وميرلوبونتي وليفي شتراوس وريمون آرون وغيرهم من الأسماء، التي صنعت شهرة فرنسا الفكرية عبر العالم.
لقد عاش موران أكثر من مائة سنة، لكنه في الحقيقة عاش أكثر من عمر واحد. عاش أعمار أجيال متعاقبة، ورأى العالم يتغير عشرات المرات، وظل رغم ذلك محتفظاً بفضوله الفكري، وبإيمانه العميق بقدرة الإنسان على التعلم والتطور والتعايش.
اليوم نودّعه، لكننا نودّع معه أيضاً صورة المثقف الكبير الذي كان يجسد ضمير المجتمع، ويحمل هموم الإنسانية فوق كتفيه، ويقاوم السطحية بالتفكير، والتعصب بالحوار، واليأس بالأمل.
رحل إدغار موران، لكن الأسئلة التي طرحها ستبقى. وستبقى كتبه شاهدة على زمن كانت فيه الفكرة حدثاً، وكان الكتاب مغامرة فكرية، وكان المثقف صوتاً يُصغي إليه العالم.
نودّع اليوم آخر عنقود مثقفي فرنسا، وننحني أمام قرن كامل من الفكر والمعرفة والالتزام الإنساني، ونطرح على أنفسنا السؤال الذي يفرضه هذا الرحيل الكبير: هل ما زال عالمنا قادراً على إنجاب مثقفين من هذا الحجم، أم أننا دخلنا زمناً أصبحت فيه الأفكار العميقة غريبة، وسط عالم يزداد سرعة وضجيجاً يوماً بعد يوم؟




