الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

اقتصاد

وداعا عمر بوتمزوغت.. جاك بريل الأغنية الأمازيغية؟

عمر بوتمزوغت.. حين حمل الوتر ذاكرة الأطلس، فغنّى الإنسان

عبد الله الشخص

لم يكن عمر بوتمزوغت واحدًا من أولئك الفنانين الذين يمرون في المشهد الغنائي، ثم تبتلعهم الأيام. فقد ارتبط اسمه، طوال عقود، بتجربة فنية تجاوزت حدود الأداء والعزف، وجعلت من الأغنية وسيلة لاستحضار الذاكرة، والتعبير عن الوجدان، والاقتراب من الإنسان في أفراحه وانكساراته وأحلامه.

كان الوتر بين يديه أكثر من آلة موسيقية، وكانت الأغنية بالنسبة إليه، أبعد من مجرد لحن يُسمع أو كلمات تُردد. لقد حاول أن يجعل من الفن امتدادًا للبيئة التي خرج منها، وللثقافة التي تشكل فيها، وللناس الذين حملوا ذاكرتهم في الأغاني والأهازيج من جيل إلى آخر.

ومن هنا، فإن استحضار اسم الفنان البلجيكي جاك بريل عند الحديث عن عمر بوتمزوغت قد يبدو، للوهلة الأولى، مقارنة واسعة المسافة. فهناك اختلاف في اللغة والثقافة والتقاليد الموسيقية والجغرافيا. غير أن المقارنة تصبح أكثر قابلية للنقاش عندما نترك الشكل جانبًا، ونبحث عن الجوهر: ماذا تفعل الأغنية بالإنسان، وكيف تستطيع أن تتحول من مجرد طرب إلى تعبير عن الحياة والذاكرة والوجع؟

ولد عمر بوتمزوغت بمدينة الخميسات سنة 1964، في بيئة أمازيغية أطلسية غنية بالموسيقى والأهازيج، وتشبع منذ طفولته بأصوات منطقة زمور وإيقاعاتها. وكغيره من أبناء جيله، وجد نفسه أمام أسماء، تركت بصمتها في الأغنية الأمازيغية والأطلسية، من بينها حمو أوليازيد ومحمد مغني ومحمد رويشة.

لكنه لم يكتفِ بالسير في الطريق الذي عبدته تلك الأسماء، بل حاول أن يجد لنفسه موقعًا خاصًا، وأن يصنع شخصية موسيقية، تحمل أثر الماضي، دون أن تتجمد فيه.

وكان ارتباطه بآلة الوتر، وبعدد من الآلات التراثية، واضحًا في مساره الفني، إلى جانب نزوعه نحو الجمع بين ما هو أصيل وما يمكن أن يضيفه التجديد إلى التجربة الموسيقية.

الوتر لم يكن مرافقًا للأغنية.. بل كان جزءًا من هويتها

في تجربة عمر بوتمزوغت، يصعب الفصل بين الفنان وآلته.

فالوتر لم يكن مجرد وسيلة لمرافقة صوته، وإنما أصبح جزءًا من شخصيته الفنية، وصوتًا آخر داخل صوته. ومن خلاله استطاع أن يمنح اللحن طابعًا خاصًا، وأن يجعل الموسيقى تحمل شيئًا من ذاكرة الأطلس، ومن وجدان الإنسان الأمازيغي.

ولعل أهم ما يميز تجربته أنه لم يحاول فصل الأغنية عن محيطها الاجتماعي والثقافي. لم يكن المكان بالنسبة إليه مجرد خلفية، بل كان مادة فنية حاضرة في الإحساس والموضوع واللحن.

فالإنسان حاضر، والأم حاضرة، والحب حاضر، وكذلك الفراق والحنين والحياة اليومية. وكل هذه التفاصيل، كانت تجد طريقها إلى الأغنية من خلال لغة موسيقية متجذرة في البيئة الأمازيغية والأطلسية.

ومن الأعمال التي ارتبطت باسمه أغنية «سامحي آيما سامحي»، التي استطاعت أن تجد طريقها إلى جمهور واسع داخل المغرب، متجاوزة في انتشارها حدود المتلقي الذي يفهم الأمازيغية بالضرورة. كما ارتبط اسمه بأعمال وعناوين أخرى من بينها «يما يما» و«إمحسادن» و«عاوني».

وهنا بالضبط، تبدأ ملامح تلك المقارنة التي تقودنا إلى جاك بريل.

وداعا عمر بوتمزوغت.. جاك بريل الأغنية الأمازيغية؟

جاك بريل غنّى الإنسان.. وبوتمزوغت غنّى الإنسان من قلب الأطلس

لا يمكن تجاهل الفوارق بين الرجلين.

جاك بريل جاء من تقاليد الأغنية الفرنسية الحديثة، بينما تشكلت تجربة عمر بوتمزوغت داخل الفضاء الأمازيغي والأطلسي المغربي. بريل اشتغل على النص والأداء باعتبارهما، محورين أساسيين في مشروعه الفني، في حين نشأت تجربة بوتمزوغت داخل تقاليد موسيقية وثقافية جماعية متجذرة في المجتمع الأطلسي.

لكن الاختلاف في الشكل، لا يلغي وجود نقطة التقاء في العمق.

كلاهما تعامل مع الأغنية باعتبارها، وسيلة للحديث عن الإنسان.

بريل أخذ المستمع إلى الحب والخذلان والموت والشيخوخة والوحدة والمجتمع والمدينة والذاكرة، ووضع التجربة الإنسانية في قلب الأغنية.

أما بوتمزوغت، فمن داخل قاموسه الأمازيغي والأطلسي، اقترب من الإنسان نفسه، ولكن من خلال ثقافة أخرى، وذاكرة أخرى، وحساسية موسيقية مختلفة.

وهذا هو السبب الذي يجعل إطلاق عبارة «جاك بريل الأغنية الأمازيغية» بحاجة إلى شيء من الحذر.

فليس المقصود أن عمر بوتمزوغت كان نسخة أمازيغية من الفنان البلجيكي، ولا أن تجربته يمكن اختزالها في تجربة بريل. مثل هذا التشبيه سيكون ظالمًا للتجربتين معًا.

الأدق أن نتحدث عن تقارب في وظيفة الأغنية.

أي أن الأغنية، عند الاثنين، لا تتوقف عند حدود المتعة أو الفرجة، وإنما تصبح شهادة على الإنسان، وعلى ذاكرته، وعلى مشاعره، وعلى ما يعيشه في تفاصيل حياته.

«سامحي آيما سامحي».. عندما تتحول الأم من موضوع إلى ذاكرة

ربما تكفي أغنية «سامحي آيما سامحي» لفهم جانب أساسي من شخصية عمر بوتمزوغت الفنية.

فالأم في هذه الأغنية، ليست مجرد شخصية عابرة في نص غنائي، وإنما تتحول إلى مساحة واسعة من الحنان والاعتراف والندم والذاكرة والوفاء.

ولهذا، استطاعت الأغنية أن تتجاوز حدود اللغة.

فبعض المشاعر، لا تحتاج إلى قاموس حتى تصل إلى الناس. يكفي أن تكون صادقة.

وهنا أيضًا يمكن العثور على نقطة تقاطع، من حيث الأثر، مع تجربة جاك بريل. فالكلمة التي تنطلق من تجربة محلية ومحددة يمكن أن تصبح إنسانية وواسعة الانتشار، عندما تكون مشحونة بصدق الإحساس.

بريل جعل من تجاربه وشخصياته وأمكنته مادة فنية، استطاعت أن تتجاوز بلجيكا وفرنسا، ووصلت أعماله إلى ثقافات ولغات أخرى من خلال الترجمة وإعادة الأداء.

وعمر بوتمزوغت، من جهته، جعل من الأغنية الأمازيغية، نافذة تطل على مشاعر، يستطيع المغربي أن يتعرف إليها، سواء كان يفهم اللغة الأمازيغية أم لا.

فالإنسان، يستطيع أن يفهم الحنين، دون أن يعرف لغة الحنين، وأن يشعر بالأم، دون الحاجة إلى ترجمة كلمة «أم».

من التراث إلى المستقبل.. حين لا يكون الماضي سجنًا

من أهم ما يمكن تسجيله في تجربة عمر بوتمزوغت، أنه لم يتعامل مع التراث باعتباره شيئًا انتهى دوره بانتهاء زمنه.

فالتراث، في تجربته، ظل مادة قابلة للحياة.

تشبث بالآلات التراثية، وحافظ على حضورها داخل أدائه، لكنه لم يغلق الباب أمام التجديد. وكان هذا المزج بين الأصالة والتطوير واحدًا من الجوانب التي أعطت لتجربته، مكانتها داخل الأغنية الأمازيغية والأطلسية المعاصرة.

فالتراث ليس بالضرورة قطعة، توضع داخل متحف، ثم يُكتفى بالنظر إليها.

يمكن أن يكون لغة للمستقبل.

ويمكن للفنان أن يأخذ آلة قديمة، ولحنًا متجذرًا في الذاكرة، وكلمات تنتمي إلى بيئة محددة، ثم يعيد تقديمها إلى جيل جديد دون أن يفقدها روحها.

وهنا تكمن إحدى القيم الأساسية لتجربة بوتمزوغت.

فالفنان الذي يحمل الوتر ويغني بلغة أهله لا يقدم للناس أغنية فقط، وإنما يحمل، من حيث يدري أو لا يدري، طريقة في الإحساس، وذاكرة مكان، وإيقاع حياة، ومفردات عاطفية كاملة.

وقد تضيع بعض هذه التفاصيل مع مرور الزمن، إذا لم يجد من يحملها إلى الجيل الذي يأتي بعدها.

رحل الصوت.. لكن الوتر ترك صدى

في 30 شتنبر 2026، رحل عمر بوتمزوغت بعد مسار فني امتد لعقود، تاركًا وراءه تجربة، ارتبطت بالأغنية الأمازيغية والأطلسية، وبآلة الوتر التي أصبحت جزءًا من صورته الفنية.

وجاء رحيله، ليعيد إلى الواجهة اسم فنان ظل حاضرًا في ذاكرة جمهور، ارتبط بهذا اللون من الموسيقى، باعتباره واحدًا من الأسماء التي ساهمت في استمرار حضور الأغنية الأمازيغية والأطلسية داخل المشهد الفني المغربي.

وربما يكون الرحيل هو الذي يجعل السؤال أكثر إثارة:

هل يمكن أن نسمي عمر بوتمزوغت «جاك بريل الأغنية الأمازيغية»؟

إذا تعاملنا مع العبارة باعتبارها حقيقة تاريخية، أو حكمًا نقديًا نهائيًا، فالأمر يحتاج إلى كثير من التدقيق. أما إذا تعاملنا معها باعتبارها مجازًا نقديًا، فإنها تصبح وسيلة لإضاءة جانب من تجربة الرجل، لا لاختزالها.

فكما جعل جاك بريل من الأغنية مساحة واسعة للحديث عن الإنسان والذاكرة والحب والألم، استطاع عمر بوتمزوغت أن يجعل من الوتر ومن الأغنية الأمازيغية وسيلة للعودة إلى الإنسان، ولكن من قلب الأطلس وذاكرته وثقافته.

الاختلاف بينهما كبير، ولا ينبغي إخفاؤه.

هناك لغة مختلفة، وثقافة مختلفة، وتقاليد موسيقية مختلفة، وبيئات اجتماعية وتاريخية متباينة.

لكن هناك شيئًا مشتركًا:

الإيمان بأن الأغنية الصادقة تستطيع أن تبدأ من مكان صغير، من قرية أو مدينة أو منطقة، ثم تعبر الحدود، لأنها تحمل في داخلها شيئًا لا يخص صاحبها وحده، بل يخص الإنسان أينما كان.

ولهذا، فإن رحيل عمر بوتمزوغت، لا يعني نهاية ما تركه.

لقد غاب الرجل، لكن ما غناه لم يغادر بالضرورة.

غاب عمر بوتمزوغت، لكن الوتر لم يصمت.

فالفنان يرحل، والصوت يخفت، والجسد يغيب، لكن الأغنية التي استطاعت أن تجد لنفسها مكانًا في ذاكرة الناس، تظل حية، وتظل تبحث، مع مرور الزمن، عن حناجر جديدة تحملها وعن آذان جديدة تصغي إليها.

وربما هنا تحديدًا، تكمن أقرب نقطة تسمح لنا باستعمال عبارة «جاك بريل الأغنية الأمازيغية».

ليس لأن الرجلين متشابهان، ولا لأن تجربة أحدهما يمكن أن تكون نسخة من تجربة الآخر، وإنما لأن كليهما، كل من موقعه وثقافته ولغته، استطاع أن يدفع بالأغنية خطوة أبعد:

من نغم يُسمع… إلى إنسان يُحَسّ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.