الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

وداعًا بلا وفاء: حكومة ترفع الأسعار.. وتُسقط المتقاعدين من حساباتها في صمت

ضربة قلم

معلوم، بل يكاد يكون من المسلّمات الصامتة التي لا تحتاج إلى برهان، أن فئة المتقاعدين تُعدّ من أكثر الفئات التي تتعرض لنكرانٍ قاسٍ للجميل، ليس فقط في العلاقات الإنسانية اليومية، بل أيضًا على مستوى السياسات العمومية التي تعاقبت عليها الحكومات، وعلى مستوى الخطاب النقابي، الذي كثيرًا ما ينشغل بالحاضر ويغفل ذاكرة العطاء.

المتقاعد ليس رقمًا يُسحب من لوائح الأجور، ولا ملفًا يُؤرشف في رفوف الإدارات، ولا عبئًا ماليًا، يُحسب ضمن كلفة التوازنات. المتقاعد هو عمرٌ كامل من الخدمة، هو سنوات من الاستيقاظ المبكر، من الالتزام الصارم، من تحمل الضغوط، من المساهمة في بناء مؤسسات هذا البلد، لبنةً لبنة. هو ذلك الموظف الذي أمضى شبابه في خدمة الإدارة، والعامل الذي استنزف قوته في المعامل والورشات، والمستخدم الذي أفنى صحته في صمت، من أجل استمرارية المرفق أو المقاولة.

ومع ذلك، ما إن يُحال هذا الإنسان على التقاعد، حتى يبدأ نوعٌ آخر من “التقاعد الرمزي”: تقاعد من الاهتمام، من الاعتراف، من الحضور في السياسات العمومية. فجأة، يتحول إلى كائن هامشي، يُطلب منه أن يتدبر أمره بمعاشٍ هزيل، لا يواكب غلاء المعيشة، ولا يحفظ الكرامة، ولا يعكس حجم التضحيات التي قدمها.

إن المفارقة المؤلمة، لا تكمن فقط في ضآلة المعاشات، بل في تلك الهوة المتزايدة بين وتيرة ارتفاع الأسعار وثبات أجور المتقاعدين. فبينما تعرف الأسواق موجات متتالية من الزيادات، تمس المواد الأساسية والخدمات الحيوية، يظل المتقاعد أسير دخل جامد، كأن الزمن توقف عند لحظة خروجه من الوظيفة. وكأن الرسالة غير المعلنة هي: “لقد انتهى دورك، فتدبر أمرك”.

ولا نريد هنا أن ننخرط في جلد الماضي أو في تعداد خيبات الحكومات السابقة، ولا أن نلاحق أولئك الذين “مسحوا” المتقاعدين من حساباتهم فور إحالتهم على المعاش، لأن ذلك أصبح، للأسف، جزءًا من أرشيف الإهمال. لكن ما نطالب به اليوم، بإلحاح لا يقبل التأجيل، هو أن تتحمل الحكومة الحالية، مسؤوليتها الأخلاقية والسياسية في لحظة مفصلية.

نحن على بعد أيام من الاحتفال بالعيد الأممي للشغل، هذا الموعد الرمزي الذي يفترض فيه أن يكون مناسبة للاعتراف بكل من ساهم في بناء الثروة الوطنية، دون تمييز بين عامل نشيط ومتقاعد أنهكه الزمن. فهل يُعقل أن يُحتفى بالعمل ويُنسى من عملوا؟ هل يُعقل أن تُرفع الشعارات حول العدالة الاجتماعية، بينما فئة كاملة تعيش على هامشها؟

إن أقل ما يمكن أن تفعله حكومة وهي تستعد لمغادرة المشهد، هو أن تترك أثرًا إيجابيًا في هذا الملف، لا أن تغادر على إيقاع فيلمٍ عنوانه: “الزيادة في أسعار كل المواد… باستثناء أجور المتقاعدين”. لأن التاريخ لا يتذكر فقط ما قيل، بل ما فُعل، ولا يرحم من تجاهل الفئات الهشة، خاصة تلك التي لم تعد تملك قوة الاحتجاج ولا صوت الضغط.

المطلوب ليس صدقة ولا منّة، بل إنصاف حقيقي، يبدأ بإعادة النظر في المعاشات بشكل يتماشى مع كلفة العيش، ويمر عبر سياسات اجتماعية تحمي هذه الفئة من الانزلاق نحو الهشاشة، وينتهي بإعادة الاعتبار الرمزي للمتقاعد، كمواطن كامل الحقوق، لا كمجرد “حالة اجتماعية”.

المتقاعدون لا يطلبون المستحيل، ولا يسعون إلى امتيازات خيالية. هم فقط يطالبون بالحد الأدنى من الكرامة، بالاعتراف، بالعدل. يطالبون بأن لا يكون تقاعدهم بداية للنسيان، بل محطة تقدير لما قدموه.

وفي الأخير، يبقى السؤال معلقًا: هل ستغادر هذه الحكومة وهي تحمل معها نفس إرث التجاهل، أم ستختار أن تكتب سطرًا مختلفًا، ولو في اللحظة الأخيرة، سطرًا يعيد بعض التوازن، وبعض الإنصاف، وبعض الأمل؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.