وداعًا صيف المهرجانات: موسيقى بملايير الدراهم… ومواطن يبحث عن طبيب وأستاذ

ضربة قلم
ها نحن نودّع فصل الصيف، فصل الألوان المبهرة والأصوات الصاخبة، حيث عاشت مدن المغرب على إيقاع حفلات متتالية. صُرفت الملايير في ليالٍ طويلة لم تخلُ من البذخ: تجهيزات عملاقة، فنانون عالميون، عقود ضخمة، منصات بعلو العمارات، وأضواء تُشعل السماء كأنها نجوم اصطناعية.
لكن خلف هذه الصورة البراقة، ظل المواطن العادي ينظر من بعيد ويسأل نفسه: ماذا سيجني من كل هذا؟ هل ستخفف الموسيقى من وجعه حين يقصد المستشفى ولا يجد دواءً؟ هل سيعوضه الرقص عن أستاذ غائب أو قسم مكتظ بأزيد من 50 تلميذًا؟
في المدن الكبرى، عاشت الساحات العامة ليالي صاخبة. وفي القرى الهامشية، كان الأطفال يسيرون كيلومترات إلى مدرسة تفتقد للحد الأدنى من الكرامة: جدران مشققة، طاولات متهالكة، وأستاذ واحد يتقاسم نفسه بين مستويات عدة. أما المستشفيات، فحدث ولا حرج: أقسام طوارئ تتحول إلى كابوس، مرضى ينتظرون ساعات وربما أيامًا، وممرضون يشتغلون بإمكانيات ضئيلة لا تكفي حتى لتوفير “سيروم” بسيط.
المفارقة مؤلمة: الملايير من المال العام أُنفقت على المهرجانات، بينما البنية التحتية الأساسية – الصحة والتعليم – ما زالت تعيش في زمن الانتظار الأبدي. الثقافة مطلوبة، والفن حق مشروع، لكن حين تصبح أولوياتنا مقلوبة، يتحول الاحتفال إلى استفزاز صريح للفئات التي تعيش القهر اليومي.
المواطن لا يرفض الغناء ولا يكره الرقص، لكنه يريد أن يرى نفس الحماس الذي يُضخّ في المهرجانات يُضخّ في المستشفيات والمدارس. يريد أن يسمع أصوات المسؤولين تعزف لحن الإصلاح بدل أغانٍ عابرة لا تترك سوى الغبار.
وداعًا صيف المهرجانات… فالمغرب لا يحتاج فقط لمنصات عملاقة وأغانٍ تُنسى مع أول مطلع شمس، بل يحتاج لمنصات حقيقية اسمها: مدرسة، مستشفى، ومواطن يحظى بالكرامة.




