
ضربة قلم
فقدت مدينة المحمدية اليوم، واحدًا من أبنائها البررة، رجلًا لم يكن مجرد اسم في سجل السكان، بل كان نبرة دفء في صوت الشارع، وابتسامة عابرة، تُصلح مزاج يوم كامل. يتعلق الأمر بالراحل بوشعيب بوشتي، الذي وافته المنية عن عمر ناهز 77 سنة، بعد مرض لم ينفع معه تطبيب، وكأن القدر، حين يقول كلمته الأخيرة، يُغلق كل الأبواب إلا باب الرحيل.
لم يكن الفقيد من أولئك الذين يمرون في الحياة مرور الظل، بل كان حضورًا خفيفًا على القلوب، ثقيلًا في معانيه. كان بشوشًا… وتلك صفة نادرة، في زمن تكاثرت فيه الوجوه العابسة. كان صديق الجميع. يعرفه الجيران بابتسامته الصباحية، ويذكره الأصدقاء، بضحكته التي تسبق كلماته، ويشهد له العابرون، بأنه كان ممن يحيّونك وكأنك تعرفهم منذ سنين.
كان محبًا للحياة، لا بمعناها الصاخب، بل بمعناها العميق. يحب جلسات الحديث الطويلة، تفاصيل الأيام الصغيرة، رائحة البحر، حين تهب على المدينة مساءً، وضحكات الأطفال في الأزقة. كان يرى في كل صباح، فرصة جديدة ليقول كلمة طيبة، أو يقدم نصيحة صادقة، أو يربت على كتف متعب. لم يكن غنيًا بالمال، لكنه كان غنيًا بالحضور، بالخلق، وبذاكرة طيبة ستبقى أطول من العمر نفسه.
سبعة وسبعون عامًا، ليست رقمًا عابرًا؛ إنها عقود من الذكريات، من التعب، من السعي، من الأفراح التي تلتها أحزان، ومن أحلام تحققت وأخرى بقيت معلّقة في دفاتر الزمن. لكن ما يواسي في هذا الرحيل، أن صاحبه عاش بين الناس كريم السيرة، حسن المعشر، طيب الأثر. هناك أشخاص حين يرحلون، تشعر المدينة بفراغ حقيقي، كأن ركنًا من الذاكرة انطفأ، وكأن صباحاتٍ اعتادت حضوره قررت أن تمشي ببطء بعده.
المرض الذي ألمّ به، لم يكن إلا محطة أخيرة في طريق طويل من الصبر. قاوم، كما يقاوم الرجال الذين تعودوا على مواجهة الحياة بابتسامة، لكنه في النهاية سلّم أمره لخالقه، تاركًا خلفه دعوات كثيرة، وقلوبًا مثقلة بالحزن، وألسنًا تلهج بذكر خصاله.
بهذه المناسبة الأليمة، نتقدم بأحرّ التعازي وأصدق مشاعر المواساة إلى أخيه عبد الجبار، الذي فقد سندًا ورفيق عمر، وإلى باقي أفراد أسرته الصغيرة والكبيرة، الذين يتقاسمون اليوم، وجع الفقد ومرارة الغياب. إن الكلمات مهما طالت تبقى عاجزة أمام هول الفراق، لكن عزاءنا أن الفقيد، ترك سمعة طيبة وسيرة حسنة، وهي الإرث الذي لا يزول.
نسأل الله أن يتغمد الراحل بوشعيب بوشتي بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يجعل ما أصابه رفعة في درجاته وتكفيرًا لسيئاته، وأن يلهم أهله وذويه جميل الصبر وحسن العزاء.
رحم الله من كان بشوشًا في وجه الحياة… فغاب وترك في الوجوه أثر ابتسامته.




