الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

وداع المحمدية لأبنائها في سنة 2025: قراءة في رحيل أعمدة المدينة وأهلها الكرام

ضربة قلم

تمر الأيام، وتمضي السنون، لكن الحزن الذي يتركه رحيل أحبائنا يظل محفورًا في قلوبنا. سنة 2025 كانت سنة فراق في مدينة المحمدية، حيث فقدت المدينة عدداً من أبنائها وسكانها الذين كتبوا أسماءهم في صفحات تاريخها، سواء في الرياضة، العمل العام، التعليم، النقابة، أو الحياة اليومية التي تعايشنا معها بكل تفاصيلها. ونحن على بعد ساعات قليلة من نهاية السنة، سعينا لتعزيز موضوعنا بأرقام دقيقة حول عدد الوفيات التي شهدتها المدينة، اتصلنا هاتفياً بـ”محافظ” المقبرة لمعرفة المعطيات الرسمية، إلا أنه لم يرد على مكالمتنا.

اليوم، نخصص هذه السطور لاستحضار ذكرهم، وتكريم ذكراهم، والدعاء لهم بالرحمة والمغفرة والسكينة في دار القرار، على أمل أن تظل ذكراهم نبراسًا للأجيال القادمة.

أحمد فرس: الكرة الذهبية التي لم تغادر قلوبنا

في مقدمة الأسماء التي يصعب الحديث عنها بصيغة الغياب، يظل اسم أحمد فرس حاضرًا بقوة في ذاكرة كل مغربي، وبشكل خاص في وجدان مدينة المحمدية التي أنجبته واحتضنت مسيرته. هو ليس مجرد لاعب كرة قدم مرّ من الملاعب، بل رمز وطني صنع مجدًا رياضيًا خالصًا، وترك بصمة ستظل راسخة في تاريخ الكرة المغربية والإفريقية. صاحب أول كرة ذهبية إفريقية يفوز بها لاعب مغربي، إنجاز لم يكن عابرًا، بل تتويجًا لمسار طويل من العطاء، والتألق، والانضباط داخل المستطيل الأخضر وخارجه.

أحمد فرس حمل قميص المنتخب الوطني المغربي بكل فخر، ودافع عنه لسنوات طويلة، وكان أحد أعمدة جيل صنع الفرجة والهيبة للكرة المغربية، في زمن كانت فيه الإمكانيات محدودة، لكن الإرادة والطموح، كانا في أعلى مستوياتهما. كما ظل وفيًا لفريقه الأم شباب المحمدية، الذي لعب له لعقدين كاملين، في زمن كانت فيه فكرة الوفاء للقميص قيمة راسخة لا تقبل المساومة. لم يغره بريق الأندية ولا الإغراءات، فاختار الاستمرار حيث بدأ، ليصبح جزءًا من هوية الفريق وذاكرته الجماعية.

من الناحية التقنية، كان أحمد فرس لاعبًا متكاملًا بكل المقاييس. رجل يسارية من طراز نادر، تتحكم في الكرة بحس فني عالٍ، قادرة على المراوغة، وصناعة اللعب، والحسم في أصعب اللحظات. أما ضرباته الرأسية، فكانت علامة مسجلة باسمه، تسكن الشباك بقوة ودقة، وتزرع الرعب في دفاعات الخصوم. لم يكن يعتمد على القوة فقط، بل على الذكاء في التمركز، وحسن قراءة اللعب، ما جعله هدافًا حاسمًا وقائدًا داخل الملعب، دون حاجة إلى ضجيج.

لكن ما ميّز أحمد فرس أكثر، هو أخلاقه العالية وتواضعه الكبير. لم يكن نجمًا متعاليًا، بل لاعبًا قريبًا من الجماهير، محترمًا لزملائه وخصومه، ملتزمًا داخل التداريب وخارجها. كان مدرسة في الانضباط، ونموذجًا للاعب الذي يفهم أن الشهرة مسؤولية، وأن القيم الرياضية لا تقل أهمية عن الأهداف والألقاب.

برحيل أحمد فرس، لم تفقد المحمدية فقط أحد أبنائها البارزين، بل فقدت الكرة المغربية قطعة من ذاكرتها الجميلة، ومن زمن كانت فيه النجومية تُصنع بالعرق والموهبة والالتزام. ومع ذلك، ستظل الكرة الذهبية التي حملها يومًا، حاضرة في القلوب قبل أن تكون في السجلات، شاهدة على مسار رجل كتب اسمه بحروف من ذهب، وغادرنا جسدًا، لكنه بقي رمزًا خالدًا في الوجدان.

أحمد السرحاني: نموذج الشرف والنزاهة

أحمد السرحاني، أحد أبناء حي ديور القراعي، كان من الرجال الذين يمرّون في الحياة بهدوء، لكنهم يتركون أثرًا عميقًا لا يُمحى. عاش حياة بسيطة في ظاهرها، عظيمة في جوهرها، قائمة على الشرف والكرامة والاستقامة، وهي القيم التي لم يحِد عنها يومًا، لا في عمله ولا في حياته الخاصة. رحل عن هذه الدنيا كما عاش فيها: نظيف اليد، مرتاح الضمير، مرفوع الرأس.

كعميد شرطة، جسّد أحمد السرحاني المعنى الحقيقي للمسؤولية، حيث ظل مثالًا للموظف العمومي الذي يؤدي واجبه دون استعراض أو بحث عن امتيازات. عُرف بين زملائه وكل من تعامل معه بصرامته الأخلاقية، واحترامه للقانون، ورفضه القاطع لأي استغلال للمنصب أو انحراف عن المسار المهني. لم يكن اسمه مرتبطًا بالسلطة بقدر ما كان مرتبطًا بالثقة، وهي العملة الأندر في مثل هذه المواقع.

في حياته الشخصية، اختار البساطة عن قناعة، لا عن عجز. عاش في البيت الذي ترعرع فيه رفقة والديه، ولم يجعل من الترقّي الوظيفي وسيلة لتكديس الممتلكات أو تغيير نمط عيشه. ظل وفيًّا لجذوره، قريبًا من محيطه الاجتماعي، متصالحًا مع نفسه، مؤمنًا بأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك، بل بما يتركه من سيرة طيبة بين الناس.

إرث أحمد السرحاني لم يكن ماديًا، لكنه كان أخلاقيًا بامتياز. ترك مثالًا نادرًا في زمن اختلطت فيه المفاهيم، وأصبح النزاهة استثناءً لا قاعدة. وبرحيله، فقدت المحمدية واحدًا من رجالها الصامتين، الذين لا تصنعهم الأضواء، لكن تصنعهم القيم، والذين يرحلون دون ضجيج، تاركين وراءهم احترامًا صادقًا وحزنًا عميقًا في قلوب كل من عرفهم.

العايدي لعجاج: الولاء والانتماء لقميص شباب المحمدية

العايدي لعجاج كان أحد الشبابيين الذين أحبوا فريق شباب المحمدية بوفاء وشغف لا يُضاهى. كان يفيض غيرته وحبه للفريق، يعيش تفاصيل كل مباراة، وكأنها معركة شخصية، محافظًا على حبه للفريق وسمعته بين الجماهير. لم يكن حبه لكرة القدم مجرد هواية، بل كان تعبيرًا عن انتماء عميق للمدينة وروحها الرياضية.

بالإضافة إلى شغفه بالرياضة، عرف العايدي بحياته العملية المستقرة، كبنكي في الوكالة البنكية التي عمل فيها طيلة سنوات قبل التقاعد، حيث كان زملاؤه ومعارفه يثنون عليه لما يتمتع به، من أخلاق رفيعة وحب للناس. لم تكن شهرته داخل المدينة تسيطر على حياته العملية، بل جمع بين الالتزام في العمل والوفاء لقيمه الشخصية، ما جعله محبوبًا في كل محيطه.

رحيله ترك فراغًا في قلوب زملائه وأصدقائه، سواء في عالم الرياضة أو في محيطه المهني بالقصبة، حيث ظل اسمه رمزًا للوفاء والانتماء والصدق، شخصية بسيطة في تعاملها، عظيمة في تأثيرها على كل من عرفه.

أبناء القصبة: إرث الحي وتاريخ العائلات

ودّعت مدينة المحمدية عددًا من أبنائها الذين مثلوا روح حي القصبة التاريخي، حي الأصالة والانتماء، حيث ظلّت العائلات مترابطة ومتجذرة في هذا المكان عبر أجيال. من بين هؤلاء، عبد الرزاق خلاجي، الذي ورث مهنة الجزارة عن والده، وعرفت العائلة بالتميز في مهنتها، فكانت قصتها مرتبطة بتاريخ الحي نفسه، وأصبحت علامة مميزة في المدينة وخارجها. لم تكن مهنته مجرد عمل يومي، بل كانت انعكاسًا للالتزام بالقيم العائلية والسمعة الطيبة، حيث عرف عنه الدقة والإخلاص في كل ما يقوم به.

وبنفس الحي التاريخي، رحل العرابي كحيلة، ابن أسرة رياضية عرف عنها حبها للرياضة والانتماء للفريق المحلي. شقيقه المصطفى، الذي لعب لسنوات طويلة لفريق اتحاد المحمدية، يعكس استمرار الروح الرياضية في العائلة، حيث ظل العرابي مثالاً للجيل المحسوب على المدينة العتيقة، ويبرهن على أن القصبة، لم تكن مجرد حي سكني، بل مدرسة للتنشئة والقيم والأخلاق.

رحيل هؤلاء الأبناء خلف فراغًا حقيقيًا في الحي، ليس فقط على المستوى الاجتماعي أو المهني، بل على مستوى الهوية والانتماء للقصبة، التي فقدت جزءًا من إرثها العريق مع كل واحد منهم.

عبد الحميد أبو النوادر: بشاشة لا تغيب وذكرى طيبة لا تُنسى

وقبل أيام قليلة، افتقدت مدينة المحمدية واحدًا من أحنّ أبنائها وأكثرهم قربًا من الناس، ويتعلق الأمر بالراحل عبد الحميد أبو النوادر، الذي لم يمهله المرض طويلًا، حيث وافته المنية بإحدى مصحات مدينة الدار البيضاء، بعد معاناة صامتة، واجهها بصبر ورضا. المرحوم كان قد اشتغل لسنوات طويلة بجماعة العيون، قبل أن يحال على التقاعد، مؤديًا واجبه المهني بروح المسؤولية والاستقامة، دون ضجيج أو ادعاء.

عبد الحميد أبو النوادر، ابن زنقة سوس بالمدينة، ظل معروفًا بين معارفه وجيرانه ببشاشته الدائمة وحضوره الإنساني الدافئ. لم يكن يمرّ دون أن يترك أثرًا طيبًا، بابتسامته الصادقة وكلمته اللطيفة، فكان مثالًا للرجل الذي يزرع الارتياح في النفوس بمجرد اللقاء. عرفه الجميع قريبًا من الناس، بسيطًا في سلوكه، محبًا للخير، متصالحًا مع ذاته ومع محيطه.

رحيله خلّف حزنًا عميقًا في نفوس أسرته وأصدقائه وكل من عرفه عن قرب، خاصة أبناء الحي الذين فقدوا وجهًا مألوفًا وأخًا وصديقًا، قبل أن يكون جارًا. وبرحيله، تطوي المحمدية صفحة أخرى من صفحات رجالها الذين مرّوا في صمت، لكنهم تركوا أثرًا لا يُمحى في الذاكرة الجماعية للمدينة.

شقيقتان في سنة واحدة: أمينة وزبيدة

كانت الأقدار قاسية على أسرة واحدة، حين اختارت أن تجمع الفقد مرتين في سنة واحدة، ففُجع الحي، ومعه مدينة المحمدية، برحيل الشقيقتين أمينة وزبيدة، في مشهد إنساني موجع يصعب استيعابه، حتى على أقرب الناس إليهما. رحيل شقيقتين في زمن قصير لم يكن مجرد خبر عابر، بل صدمة حقيقية هزّت العائلة وكل من عرفهما عن قرب، وترك فراغًا لا يمكن أن تملأه الأيام.

أمينة، كانت امرأة من طينة نادرة، كرّست جزءًا كبيرًا من حياتها للنضال النقابي داخل شركة سامير، في فترات لم يكن فيها الانخراط النقابي أمرًا سهلًا أو بلا ثمن. كانت معروفة بجرأتها في المواقف، وبقدرتها على الدفاع عن حقوق الشغيلة، دون تردد أو خوف، مؤمنة بأن الكرامة المهنية لا تُوهب، بل تُنتزع بالنضال والصبر. اشتغلت بصمت، لكنها تركت أثرًا واضحًا في محيطها، واحترامًا كبيرًا في صفوف زملائها، قبل أن تحال على التقاعد، وهي مرفوعة الرأس.

أما زبيدة، فقد اختارت معركة أخرى لا تقل صعوبة، معركة البيت والأسرة، حيث أفنت حياتها في أداء دورها كأم وربة بيت، تواجه تحديات الحياة اليومية بصبر نادر وتضحية مستمرة. كانت عمادًا لأسرتها، وسندًا حقيقيًا لأبنائها، تؤمن بأن العطاء داخل البيت لا يقل قيمة عن أي نضال خارجه. عاشت بعيدًا عن الأضواء، لكنها كانت حاضرة بقوة في تفاصيل الحياة، بصبرها، وحنانها، وإصرارها على إنجاح أسرتها رغم كل الإكراهات.

رحيل أمينة وزبيدة في نفس السنة كان زلزالًا حقيقيًا داخل العائلة، خاصة في نفوس شقيقتهما لطيفة، وأخيهما البشير، اللذين وجدا نفسيهما أمام فراغ مزدوج لا تُسعفه الكلمات. لم يكن الفقد فقد جسدين فقط، بل غياب دفء، وذكريات مشتركة، وسند عائلي كان يشكّل جزءًا من توازن الأسرة وروحها.

برحيل الشقيقتين، خسر الحي نموذجين لامرأتين اختارتا العطاء كلٌّ من موقعها، واحدة في ميدان النضال والعمل، والأخرى في ميدان الأسرة والتربية، ليجتمعا معًا في سيرة واحدة عنوانها التضحية والصبر والوفاء.

من بين رجالات المحمدية الذين تركوا أثرًا واضحًا في مسار العمل والخدمة العمومية، يبرز اسم الراحل صالح يازي، رئيس مصلحة الكهرباء بكل من “لاراد” و“ليدك”، والذي شكل خلال سنوات عطائه نموذجًا يُحتذى به في الجدية، والانضباط، والاستقامة المهنية. لم يكن مجرد إطار إداري، بل كان رجل مسؤولية حقيقية، يؤمن بأن المنصب تكليف قبل أن يكون تشريفًا، وبأن خدمة المرفق العمومي تقتضي النزاهة والوضوح قبل أي اعتبار آخر.

عرف صالح يازي بالتزامه الصارم بواجباته المهنية، وحرصه الدائم على حسن تدبير المرفق الذي يشرف عليه، سواء من حيث احترام القوانين أو من حيث التعامل الإنساني مع الموظفين والمواطنين على حد سواء. كان قريبًا من زملائه، منفتحًا على النقاش، حريصًا على إيجاد الحلول بدل تعقيد المساطر، ما جعله يحظى باحترام واسع داخل المؤسسة وخارجها. لم يكن صوته مرتفعًا، لكن حضوره كان قويًا، مبنيًا على الثقة والاحترام المتبادل.

على المستوى الأخلاقي، ظل صالح يازي مثالًا للاستقامة في زمن أصبحت فيه هذه القيم نادرة. لم تُسجل عليه مواقف غامضة، ولم يُعرف عنه تهاون أو مجاملة على حساب المصلحة العامة. كان واضحًا في مواقفه، صريحًا في قراراته، ثابتًا على مبادئه، ما جعله محل تقدير من زملائه وأصدقائه وكل من اشتغل معه عن قرب.

رحيله شكل صدمة حقيقية في أوساط المهنيين وكل من عرفه، لأن غيابه لم يكن غياب شخص فقط، بل غياب مدرسة في الأخلاق المهنية والإنسانية. فقدت المحمدية برحيله رجلًا من رجال الظل الذين اشتغلوا في صمت، لكنهم ساهموا في استقرار المرفق العمومي، وتركوا أثرًا طيبًا في النفوس قبل الملفات والإدارات.

عبد الحق لشهب: وجه إنساني غاب عن ملعب البشير ولم يغب عن القلوب

تفقد مدينة المحمدية رجلًا آخر من رجالها البسطاء الذين صنعوا حضورهم بالأخلاق وحب الناس، ويتعلق الأمر بالراحل عبد الحق لشهب، الذي أصيب بشلل نصفي نتيجة مرض ألمّ به قبل أن يختطفه الموت في صمت مؤلم. رحل جسدًا، لكن ذكراه بقيت راسخة في نفوس كل من عرفه وتعامل معه عن قرب، خاصة داخل فضاء ملعب البشير، الذي كان بالنسبة إليه أكثر من مجرد مكان عمل.

المرحوم ظل يشتغل كموظف جماعي بملعب البشير لسنوات طويلة، مؤديًا مهامه اليومية بتفانٍ والتزام، دون كلل أو شكوى. كان من أولئك الموظفين الذين لا يبحثون عن الظهور، لكن حضورهم يُحَسّ بمجرد الغياب. عرفه الرياضيون، اللاعبون، والجمهور بوجهه البشوش، وكلمته الطيبة، واستعداده الدائم للمساعدة، ما جعله يحظى بمحبة واسعة واحترام صادق من مختلف الأطراف.

ورغم المرض الذي ألمّ به وأثر بشكل كبير على قدرته الجسدية، ظل عبد الحق لشهب متشبثًا بالحياة، محافظًا على روحه الطيبة ونظرته الإيجابية، ومحتفظًا بعلاقته الطيبة مع محيطه. لم تغيّره المحنة، بل زادته قربًا من الناس، الذين التفوا حوله، واستحضروا فيه صورة الإنسان الصبور، المتصالح مع قدره، والمؤمن بأن المعاناة لا تُفسد نقاء القلب.

برحيله، فقدت المحمدية واحدًا من وجوهها الإنسانية الصادقة، وفقد ملعب البشير رجلًا كان جزءًا من ذاكرته اليومية، وشاهدًا على لحظات الفرح والحزن التي عاشها الرياضيون والجماهير داخل أسواره.

إبراهيم إكمان: مسار نضالي والتزام جماعي في خدمة المحمدية

إبراهيم إكمان يعد واحدًا من الوجوه التي بصمت المشهد النقابي والجماعي بمدينة المحمدية خلال سنوات سابقة، حيث عُرف كمناضل داخل صفوف الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، في مرحلة كان فيها العمل النقابي فعل التزام وتضحية أكثر منه موقعًا أو امتيازًا. انخرط الراحل في الدفاع عن قضايا الشغيلة بإيمان راسخ بقيم العدالة الاجتماعية والكرامة المهنية، وظل صوته حاضرًا في مختلف المحطات النضالية التي عرفتها المدينة.

وإلى جانب مساره النقابي، تقلد إبراهيم إكمان مسؤولية العضوية داخل المجلس الجماعي للمحمدية، خلال عهد المرحوم محمد أشركي، حيث ساهم من موقعه في تدبير الشأن المحلي، واضعًا مصلحة المدينة وساكنتها فوق كل اعتبار. لم يكن حضوره الجماعي مبنيًا على الصراع أو الحسابات الضيقة، بل على الرغبة في خدمة الصالح العام، والسعي إلى إيجاد حلول واقعية لمشاكل المواطنين، في حدود الإمكانيات المتاحة آنذاك.

عرف عنه الاستقامة في المواقف، والوضوح في الطرح، والالتصاق بقضايا الناس، سواء داخل العمل النقابي أو في التجربة الجماعية. لم يكن من أولئك الذين يغيرون مواقعهم بتغير الظروف، بل ظل وفيًا لقناعاته، متشبثًا بخط النضال المسؤول، بعيدًا عن المزايدات أو البحث عن الأضواء.

برحيل إبراهيم إكمان، فقدت المحمدية واحدا ممن جمعوا بين النضال والعمل المؤسساتي، وتركوا أثرًا هادئًا، لكنه عميق في الذاكرة المحلية.

محمد الحجي: سيرة تربوي جسّد الجدية وحسن الخلق

محمد الحجي واحد من رجالات التعليم الذين بصموا مسارهم المهني بالجدية والاستقامة، وتركوا أثرًا طيبًا في نفوس زملائهم وتلامذتهم على حد سواء. وافته المنية قبل أسابيع قليلة من نهاية السنة، في لحظة مؤثرة زادت من وطأة الفقد، خاصة أن رحيله جاء بعد مسار طويل من العطاء الصامت داخل المدرسة العمومية، حيث ظل التعليم بالنسبة إليه رسالة قبل أن يكون وظيفة.

عرف الراحل بانضباطه الصارم واحترامه لقواعد المهنة، وكان مثالًا للأستاذ الذي يحترم الزمن المدرسي، ويؤمن بقيمة المعرفة، ويحرص على أداء واجبه التربوي، بكل أمانة ومسؤولية. لم يكن من أولئك الذين يكتفون بإلقاء الدروس، بل كان حريصًا على بناء علاقة تربوية قائمة على الاحترام المتبادل، ما جعله يحظى بتقدير كبير من طرف التلاميذ، الذين وجدوا فيه قدوة قبل أن يكون مدرسًا.

في أوساط زملائه، اشتهر محمد الحجي بسمعته الطيبة، وهدوئه في التعامل، وبعده عن الصراعات الهامشية التي كثيرًا ما تُثقل كاهل المهنة. كان حاضرًا دائمًا بروح التعاون، مستعدًا لتقديم النصح والمساعدة، ومؤمنًا بأن نجاح المنظومة التعليمية لا يتحقق إلا بتكامل الجهود والالتزام الجماعي.

برحيله، فقدت المحمدية واحدًا من رجالات التعليم الذين اشتغلوا في صمت، وراكموا الاحترام دون ضجيج. ترك خلفه ذكرى أستاذ مهني، مستقيم السلوك، نقي السريرة، ستظل صورته حاضرة في ذاكرة المدرسة، وفي وجدان كل من تتلمذ على يديه أو زامله في الميدان التربوي.

محمد هاجر: مسار إداري هادئ وروح تربوية جامعة

وداع المحمدية لأبنائها في سنة 2025: قراءة في رحيل أعمدة المدينة وأهلها الكرام

يُعدّ محمد هاجر واحدًا من الأسماء التي تركت أثرًا واضحًا في الحقل التربوي بمدينة المحمدية، من خلال مسار مهني اتسم بالهدوء، والجدية، وحسن التدبير. اشتغل لسنوات كمدير لثانوية الجولان، حيث راكم تجربة ميدانية مهمة، قبل أن تتم ترقيته رئيسًا لمصلحة الشؤون التربوية بنيابة وزارة التربية الوطنية، وذلك قبل إحالته على التقاعد، وقبل تغيير تسمية النيابة إلى المديرية الإقليمية.

خلال فترة إدارته لثانوية الجولان، عُرف محمد هاجر بحرصه على استقرار المؤسسة واحترام الزمن المدرسي، وبسعيه الدائم إلى خلق مناخ تربوي قائم على التعاون والاحترام المتبادل بين الإدارة وهيئة التدريس والأطر التربوية. لم يكن مديرًا سلطويًا، بل إداريًا يؤمن بالحوار، ويعالج الإشكالات بروح المسؤولية والتروي، ما جعل المؤسسة تعيش فترات من الهدوء والانضباط، رغم الإكراهات المعروفة التي يعرفها قطاع التعليم.

وعند انتقاله إلى مصلحة الشؤون التربوية، ظل وفيًا لنفس المنهج، حيث عُرف بتفاديه للصراعات، وابتعاده عن التوترات غير المجدية، واعتماده سلاسة التواصل كآلية أساسية في العمل. كان رجل توازن، يحرص على تقريب وجهات النظر، وتدبير الملفات التربوية بعقلانية، دون انفعال أو تصعيد، ما أكسبه احترام زملائه ورؤسائه وكل من اشتغل معه عن قرب.

محمد هاجر كان من أولئك الإداريين الذين يفضلون العمل في صمت، دون ضجيج أو استعراض، ويتركون أثرهم من خلال الاستمرارية والالتزام. لذلك، فإن الصورة التي تُنشر له رفقة طاقم ثانوية الجولان ليست مجرد توثيق لحظة عابرة، بل شهادة على مرحلة من الجدية والانضباط، وزمن كانت فيه الإدارة التربوية تُدار بروح جماعية، وبعلاقات إنسانية سليمة، بعيدة عن التشنج وسوء الفهم.

نسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يغفر لكل من رحل عن هذه الدنيا، وأن يجعل قبورهم روضة من رياض الجنة، وأن يلهم أهلهم الصبر والسلوان. نسأله أن يربط على قلوب الأحبة، وأن يعوضهم صبرًا جميلًا على فراقهم، وأن يجعل أعمالهم في ميزان حسناتهم، وأن يجمعنا بهم في دار لا وداع فيها. اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين، واجعل مثواهم الجنة، وامحُ عنهم السيئات، واغمرهم بعفوك ورضاك، واجعلهم من أهل الفردوس الأعلى بلا حساب ولا عذاب.

خاتمة

مدينة المحمدية، على مدار سنة 2025، فقدت كثيرًا من أبنائها الذين كانوا أعمدة صامدة في مختلف ميادين الحياة، من الرياضة إلى العمل النقابي، ومن التعليم إلى الخدمة العامة، مرورًا بالحي والمهنة. هؤلاء الرجال والنساء، بكراماتهم وأخلاقهم وأعمالهم، يظلون حاضرين في الذاكرة الجماعية للمدينة، ويستحقون أن تخلد ذكراهم في صفحات التاريخ والمحبة. رحيلهم ليس نهاية، بل بداية لتأمل قيمهم والاقتداء بأفعالهم، واستلهام دروسهم في الحياة والمواطنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.