الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

وزارة “التربية والتنكيل”: الأستاذ يتحوّل إلى متدرّب أبدي في مسرح العبث الإداري!

ضربة قلم

في مسرح اللاعقل، تُرفع الستارة على مشهد قديم جديد، بطلُه أستاذ شاب شاب شعره، وانحنى ظهره وهو ينتقل من مؤسسة إلى أخرى، يدرّس خارج إطاره الأصلي، تمامًا كما يُرسل المجاهد إلى الجبهة دون سلاح ولا بندقية، فقط ليرفع راية الوطنية، ثم يُترك في العراء… ينتظر ترقيًة لا تأتي، وإطارًا لا يتغيّر.

لكن، لا بأس! فقد استيقظ التنسيق النقابي الخماسي – ذلك الوحش ذي الخمس رؤوس، وكل رأس يحمل اختصارًا نقابيًا يفوق طوله الميثاق الوطني نفسه – ليعلنها صراحة: كفى من التهميش، كفى من “التمغريب الإداري”، كفى من دفن الأساتذة الأحياء في مقابر التكليفات.

إنها وقفة احتجاجية وطنية، ستُقام يوم 30 يونيو 2025 أمام وزارة التربية الوطنية، أو لنقل أمام وزارة التربية بالنيابة عن التربية، والتكوين خارج التكوين، والتنمية البشرية من دون بشر.

في بيانهم الناري، نزل التنسيق الخماسي بكل ما يملكه من لغة مغلّفة بالمرارة، وقالها بلا تلعثم: هؤلاء الأساتذة لم يُطلب منهم سوى أن يكونوا رجال إطفاء لكل الخصاصات المزمنة، فقاموا بالمهمة وبزيادة، وظنوا أنهم حين ينتهون من الخدمة سيتحولون إلى أبطال مكرّمين… لكن لا! الوزارة أعادتهم إلى خانة “من أنتم؟”.

تصوّروا أستاذًا قضى عشرين سنة في التعليم الثانوي التأهيلي، يشتغل ليلًا ونهارًا، يدرّس المواد ويصلح الكراسات وينظم الرحلات، وكلما سأل عن تغيير الإطار قالوا له: اصبر، سنشكّل لجنة، ثم نُصدر مذكرة، ثم نُفعّل المرسوم، ثم… ثم… تبخّر الحلم مع أول تصريح صحفي للوزير.

ثم تأتي الوزارة بكل وقاحة وتقول: “التكوين؟ نعم، لكن بشرط أن تستمر في التكليف”. أي منطق هذا؟ أهو تكليف أبدي؟ هل صار الأستاذ مشروعًا مدى الحياة؟ هل نحن أمام “صفقة تكليفية” أشبه بعقد زواج غير قابل للطلاق؟

ولا تتوقف الكوميديا السوداء هنا، بل يُضاف إلى المشهد فصل جديد من العبث: تم إدراج أسماء المعنيين في اللوائح الوطنية، اجتازوا مرحلة “التقويم التشخيصي”، وهو امتحان سريالي على طريقة فرانز كافكا، ثم… أقصوهم! هكذا، دون سابق إنذار، دون سند قانوني، فقط لأن الوزارة شعرت أن الأعداد كثيرة والميزانية ضيقة، فتم فتح باب “الهروب الكبير من المرسوم”.

ولأن الدولة تحب التنوع، فقد قدّمت لهم المادة 85، لا كمفتاح للحل، بل كقيد قانوني جديد. مادة حمالة أوجه، يمكن تأويلها وفق الحاجة: تارة للتبرير، وتارة للتأجيل، وتارة لتفسير أن الأستاذ لا يزال قاصرًا تربويًا ويحتاج إلى إعادة التكوين… بعد عشرين سنة من التكوين العملي!

البيان النقابي قالها صراحة: ما يحدث هو إقصاء جماعي غير مشروع، بتأشيرة رسمية وبكامل اللامسؤولية. والمضحك المبكي أن مراسلة 26 ماي 2025، بدل أن تُنهي المسلسل، جاءت كأنها وثيقة صادرة من دولة غريبة تتحدث عن موضوع لا نعرفه. لا إجراءات، لا أجندة، لا وضوح… فقط لغة بيروقراطية مصقولة بالماء البارد.

أما الوزارة، فهي تمارس هوايتها المفضلة: التأجيل، ثم التأجيل، ثم الإحالة على الحوار… حوار يشبه تلك الاجتماعات التي تُعقد فقط لتحديد موعد الاجتماع المقبل!

وبينما الوزير يتحدّث عن “مدرسة الإنصاف والجودة”، يموت أستاذ آخر عطشًا إلى إنصاف إداري بسيط.
بينما الوزارة تتغنّى بالشراكة الدولية والرقمنة، يظل المكلف ينتظر رقمنة اسمه في لائحة الاعتراف.

أي مهزلة هذه؟
أي تعليم نريد بناءه على جثث المعنويات المحطمة؟
أي كفاءة نطمح لها، ونحن نحارب من جسّد الكفاءة لسنوات دون سند ولا مقابل؟

يا وزارة التربية، نحن لا نطلب معجزة، لا نريد ميدالية ولا وسام.
نريد فقط تطبيق مرسوم… نعم، مرسوم رسمي صدر باسم الحكومة، ومع ذلك تتعاملون معه كأنه إشاعة فايسبوكية!

وفي الختام، نقول لكل من يظن أن “الأستاذ مجرد موظف”، ولكل من يظن أن الصبر لا ينفد:
أنتم تلعبون بالنار، تلعبون بأعصاب فئة أثبتت عبر التاريخ أنها لا تموت، بل تُقاتل واقفة حتى في عزّ التهميش.

فموعدنا يوم 30 يونيو، لا للاحتجاج فقط، بل لتعليم الوزارة معنى “التكوين الحقيقي”: أن تتعلّم كيف تُنصف من صنعوا مجد المدرسة العمومية، وأن تتربى على الحياء الإداري قبل أن تربي الأجيال القادمة.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.