سياسةمجتمع

وزارة الداخلية تُصرّ على خنق الكلمة… كأنها تشتاق إلى زمن الكهوف

ضربة قلم

في زمنٍ يُفترض فيه أن تكون حرية الرأي خبز المواطن اليومي، قررت بعض العقول أن تُعيدنا إلى ما قبل التاريخ، إلى زمنٍ لم يكن فيه صوت سوى صوت القبيلة. وزارة الداخلية، جزاها الله خيرًا كما يقول المعلّقون بسخرية، وجدت ضالتها في خنق آخر شريانٍ يتنفس في صدر الديمقراطية: حرية التعبير.

القانون الجديد يُطبخ في قبةٍ ناعسة، قبةٍ أغرت نوابها بالنوم أكثر مما أغرتهم بالمساءلة. إنهم يرفعون الأيدي كالدمى في مسرحٍ سياسيٍّ فقد حسّ الفكاهة، ويباركون مشروعًا يمنع استطلاعات الرأي، لأن الحقيقة صارت خطرًا على “الأمن الانتخابي”. تخيّلوا! الخطر لم يعد في التزوير أو المال الفاسد أو الزبونية، بل في سؤالٍ بسيطٍ يُطرح على الناس: “لمن ستصوّت؟”.

يا للسخرية… نمنع الأسئلة لأن الإجابات تُخيفنا!
نُصادر استطلاعات الرأي لأننا نخاف أن تكشف ما يعرفه الجميع: أن الشعب لا يثق في أحد.

البلاد تُدار كما تُدار الحكايات القديمة، بالأوامر لا بالإقناع، وبالوعيد لا بالحجة. كل من يشكّك في “نتائج الانتخابات” صار عدوًا للدولة، وكل من يسأل عن الشفافية يُتهم بالتآمر. وكأننا عدنا إلى زمن الصيّادين الأوائل، حيث من يسأل عن النار يُحرق بها.

نعم، لقد وصلنا إلى مرحلةٍ بات فيها التفكير جريمةً، والشكّ خيانة، والاختلاف علامةَ جنون.
البلاد تُدار بعقلية تقول لك: “صوّت، ولا تسأل لمن”، “احمد الله أننا سمحنا لك أن تتنفس، فكيف تجرؤ على الكلام؟”

في دولٍ أخرى، تُنشر استطلاعات الرأي لتقوية الوعي، لتغذية النقاش العام، ولمنح المواطن سلطة السؤال.
أما هنا، فالنقاش نفسه صار جريمة. الكلمة تُخضع للمراقبة، والفكرة تُمرّر عبر أجهزة الأمن قبل أن تُنشر.
أي ديمقراطيةٍ هذه التي تخاف من رأيٍ في جريدة؟
أي انتخاباتٍ هذه التي ترتعد من رقمٍ في استطلاع؟

يبدو أن السلطة لم تعد تبحث عن رضا الشعب، بل عن صمته.
وها هي تنجح في ذلك ببراعة: الناس صامتون، والنواب نائمون، والوزارة تشتغل بجدٍّ على وأد كل صوتٍ قد يوقظهم من سباتهم.

قانونٌ كهذا لا يُبنى لحماية الديمقراطية، بل لحماية من يخافونها.
هو ليس تنظيمًا للاستطلاعات، بل إلغاءٌ للشكّ، ومحاولةٌ لتقديس “النتائج الرسمية” التي لا يجرؤ أحد على مناقشتها.
إنه إعلانٌ صريحٌ عن بداية مرحلةٍ جديدة… مرحلة الصمت الإجباري.

لكن التاريخ لا يرحم.
في كل مرةٍ خُنقت فيها الكلمة، ولدت من الرماد كلماتٌ أشدّ جموحًا.
وفي كل مرةٍ حاولوا فيها دفن السؤال، خرجت الأسئلة من تحت التراب كالعشب بعد المطر.

قد ينجحون اليوم في منع استطلاعٍ، وفي سجن رأيٍ، وفي تهشيم قلمٍ.
لكنهم لن يمنعوا هذا الشعب من أن يتساءل في داخله، أن يضحك في سره، أن يسخر من مسرح السلطة الذي صار مملاً أكثر من نشرات الأخبار.

نعم، ربما سيُكتب على هذه المرحلة أنها زمن ما قبل التاريخ السياسي،
زمنٌ لم يكن فيه استطلاعٌ ولا رأي،
بل مجرد أصواتٍ تُصفق لمنع الكلام.

غير أن ما قبل التاريخ، كما نعلم جميعًا، لم يدم إلى الأبد.
ففي نهاية كل ظلمةٍ، يولد فجرٌ عنيدٌ،
وفي نهاية كل صمتٍ… يولد السؤال الأول.

أيها السادة في وزارة الداخلية،
أريحونا من هذا “القلق الديمقراطي” الذي يزعج نومكم!
ارفعوا الصوت قليلًا، وأعلنوا صراحة أن حرية الرأي صارت “نشاطًا غير مرخَّص به”،
وأن الاستطلاع جريمة أخطر من الفساد،
وأن المواطن الصالح هو من لا يسأل، ولا يفكر، ولا يجرؤ على الحلم.

وأما أنتم، يا ممثلي الأمة النائمين في قبتكم الذهبية،
بورك نومكم المريح فوق مقاعد الشعب،
فأنتم أوفياء لرسالتكم التاريخية: أن تبصموا دون أن تقرؤوا،
وأن تصوتوا دون أن تفكروا،
وأن تشرّعوا القوانين كما يشرّع الحارس باب السجن على من بداخله.

احذفوا كل استطلاع، وكل رأي، وكل صوت،
لكن لا تنسوا أن الحقيقة لا تُعتقل،
وأن الكلمة -مهما خُنقت – تعرف طريقها إلى الهواء.

فحين تصادرون السؤال، لا تقتلون الشكّ…
بل تُنجبون ثورةً في العقول،
وكل ثورة تبدأ بكلمةٍ واحدة: لماذا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.