
ضربة قلم
يبدو أن وزراء حكومتنا الموقرة اعتقدوا لسنوات طويلة أنهم “أساتذة في البلاغة”، وأن كل ما يخرج من أفواههم يُصفَّق له تلقائياً. لكن فجأة، جاء جيل Z ليقلب الطاولة، فصار الوزير الذي كان يتحدث بثقة “بروفيسور” أمام الكاميرات، أشبه بطفل ضائع يقرأ جملة طويلة بدون نقط، ثم يتلعثم عند أول سؤال بسيط: “وماذا عن غلاء المعيشة؟”.
أحد الوزراء، وهو يحاول أن يشرح سبب الأزمة، بدا وكأنه يبحث عن كلمات ضاعت في جيبه. وقف يتأرجح بين “الوضعية الاقتصادية” و”الظروف العالمية” و”التحديات الكبرى”، حتى شعرنا أن اللغة العربية خانته، أو لعلّ الكاميرا كشفت أن الخطاب الخشبي صار مهترئاً مثل كرسي قديم في إدارة عمومية.
وزير آخر لم يجد ما يقوله، فراح يكرر الجملة نفسها ثلاث مرات، وكأنه يُقنع نفسه قبل أن يُقنع المواطنين. والنتيجة؟ صورة وزير مرتبك أمام شباب يردون عليه بـ “ميمز” وضحكات في تيك توك، أسرع وأقوى من أي بيان رسمي.
الأغرب أن بعض القادة السياسيين ظهروا فجأة في ثوب “أصدقاء الشباب”. واحد يقول: “جيل Z معنا… جيل واعٍ”. آخر يبتسم بفخر كأنه يتحدث عن أبنائه. لكن الواقع أن هؤلاء السياسيين لا يعرفون حتى كيف يكتب اسم هاشتاغ صحيح، فكيف سيتحدثون بلغة جيل يبتكر قاموساً جديداً كل يوم؟
جيل Z لا يحتاج وصاية. لا يريد خطباً تُلقى من فوق المنصات كما في مسرحيات قديمة. يريد أفعالاً ملموسة: تعليم يليق به، صحة تعالجه بكرامة، وفرص عمل تعطيه أملاً. أما “الحكايات الخشبية” فهي تصلح فقط لتنويم الحاضرين في جلسات البرلمان، لا لإقناع شباب يعيشون على سرعة الإنترنت ومباشرات اللايف.
الحقيقة التي يخاف منها الوزراء ليست في حجم الاحتجاجات، بل في قوّة هذه اللغة الجديدة التي كسرت الحاجز: لغة مختصرة، صادقة، مباشرة، تُعرّي الخطاب السياسي في لحظة. ولأول مرة، صار المسؤول يتلعثم لأنه لم يتعود أن يُسأل بلا وسطاء، بلا بروتوكول، وبلا ورقة مكتوبة.
جيل Z فرض واقعاً جديداً: لم يعد الوزير بطلاً في نشرات الأخبار، بل صار مادة للسخرية في فيديو قصير لا يتجاوز 30 ثانية. وهنا مربط الفرس: كيف لوزير لا يستطيع أن يواجه سؤالاً مباشراً، أن يواجه جيلاً بأكمله لديه سلاح الكلمة والصورة واللايف؟
الخلاصة: الوزارات تتلعثم، الساسة يتظاهرون بأن الشباب في صفهم، لكن جيل Z لا يُشترى بالوعود ولا يُخدع بالابتسامات. لقد قرر أن يكون صوتاً حراً، ومن لم يفهم هذه الحقيقة بعد… فليحضّر نفسه لدوخة أطول من مجرد ارتباك أمام كاميرا.




