
ضربة قلم
في مشهد يشي بنكهة الكوميديا السياسية المغربية، خرج وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، ليطل علينا بدعوة تحمل ألوان الوطنية الزاهية: “أدعو الشباب المغاربة الذين يتابعون دراستهم في الخارج إلى التفكير في بناء مسارهم المهني داخل الوطن والمساهمة في بناء مغرب الغد.” جملة تقرأ بين السطور وكأنها مشهد سينمائي من فيلم هوليوودي عن “عودة الشاب المغوار إلى أرض الأجداد”، لكن الحقيقة أعقد وأكثر إثارة للضحك المرّ.
فالوزير الذي لا نعرف إن كان يحمل جنسية ثانية على الأقل – لنفترض أنها ربما تمنحه القدرة على التنقل بين هنا وهناك دون قيود – يبدو كأنه يتحدث إلى الشباب من منصة عائمة بين الوطن والمهجر، كأنه يقول لهم: “تعالوا وشاركوا في بناء الوطن… طالما لم تدرسوا أكثر من اللازم أو تفوقتم على أولاد السياسيين!”
وليس الوزير مزور وحده من يعزف سيمفونية التناقضات، فهناك عبد اللطيف ميراوي، وزير التعليم العالي “العالمي”، الذي غادر منصبه الوزاري في ظروف أقل ما يقال عنها أنها مرغمة ومثيرة للفضول. هذا الرجل، الذي كرس أيامه الأخيرة في مقاومة كل من سافر أو درس في الخارج، نجح – بطريقة مذهلة – في الظفر بتقاعد وزاري سمين من أموال الشعب المغربي، وكأنه يقول: “لقد خدمتكم بالمنطق… والآن سأخدم نفسي بالمال.”
والأجمل في هذا المشهد أن ميراوي، بعد أن ودّع كرسيه الوزاري، حلق في الطائرة مباشرة غداة تسمية خلفه، متوجهاً نحو الجامعة الفرنسية حيث يدرس الآن، ليكمل حلقته التعليمية التي يبدو أنه كان يحلم بها منذ البداية، بعيدًا عن أي “تدخل وطني” في مسار الشباب. يا لها من مفارقة: الرجل الذي حارب التدريس بالخارج للآخرين، سافر بنفسه ليعيشها بكامل الحرية والترف، وكل ذلك بفلوس دافعي الضرائب الذين لم يسافروا ولم يطيروا إلا في أحلامهم.
الساخر في الأمر أن هذه الدعوات الرسمية تأتي في وقت يكثر فيه الحديث عن “استثمار الطاقات الشابة” و”فتح آفاق وطنية”، بينما الوزراء أنفسهم، الذين يفترض أنهم القدوة، يبدو أنهم يمارسون سياسة “اذهبوا وابنوا الوطن، لكن لا تنسوا أنني سأبني مساري أولاً ومن فوق”. هكذا يصبح التعليم والعمل المهني في الخارج لعبة مزدوجة المعايير: ممنوع على الشباب، مسموح على الوزراء بعد انتهاء مدة الخدمة، ومع كل ذلك يُراد أن تصدقوا أن “الوطن بحاجة إليكم”!
وإذا أضفنا إلى هذا المشهد فلسفة التحفيز الوطني، نجد أنفسنا أمام مسرحية متكاملة: الوزراء يلقون الخطب عن الوطنية، الشباب يقرأ عن المنح والتسهيلات لدخول السياسة، بينما بعض الوزراء يتابعون مشوارهم الشخصي في الخارج ببطاقات دبلوماسية وتقاعدات فاخرة، وكأن القانون لا يلمسهم، وكأن الرسالة الوحيدة التي تصل هي: “تعلموا في الخارج، لكن فقط بعد أن تضمنوا لنفسكم مستقبلًا مريحًا في الداخل”.
في النهاية، يبدو أن المغرب يعيش في تناقض مضحك، حيث تصبح الدعوات الوطنية بمثابة أشرطة كوميدية متتالية: كل شخصية تلعب دورها، وكل خطاب يقرأ في مرآة ساخرة، والنتيجة؟ المواطن المغربي ينظر ويضحك ويصرخ في الوقت نفسه: “هل نحن نعيش زمن الإصلاح أم زمن السيرك السياسي؟”




