
ضربة قلم
في لحظة صراحة مفرطة – أو ربما لحظة إفطار ثقيل على المعدة السياسية – قرر وزير الصناعة والتجارة أن يُبسّط الأمور للشعب: العودة إلى الوطن ليست هدية، بل “أمر طبيعي”. عبارة تبدو في ظاهرها منطقية، لكنها خرجت بنبرة جعلت البعض يتساءل: هل نحن أمام وزير يتحدث بلغة الدولة، أم أمام مدرب تنمية بشرية ضاق صدره بالحاضرين؟
الوزير قال، ببساطة تكاد تكون قاطعة: “هذه بلادك… هل يجب أن أشكرك لقدومك؟”. وهنا تبدأ الحكاية.
لأن المسألة ليست في “شكر”، بل في شيء اسمه الرمزية السياسية. الدولة، حين تخاطب أبناءها في الخارج، لا تتحدث بلسان الحي الشعبي ولا بمنطق “دارك هادي”، بل بلغة تقدير متوازن: نعم، هذا وطنكم… ونعم، نرحب بكم لأن عودتكم تضيف قيمة.
لكن يبدو أن الوزير اختار أسلوب “التأديب اللفظي” بدل أسلوب التحفيز. كأنما أراد أن يقول: لا أحد أكبر من البلد… وهو كلام صحيح من حيث المبدأ، غير أن السياسة ليست درسًا في التربية الوطنية، بل فن إدارة الحساسية.
بين الواقعية والبرود
هناك من دافع عن الوزير، واعتبر كلامه كسرًا لعقدة “الخبير القادم من الخارج”، وكأن الداخل بلا كفاءات. وهذا طرح مشروع. لكن هل كان من الضروري تغليفه بعبارات، توحي بأن من يفكر في العودة عليه، أن يخفض سقف التوقعات ويبتلع مشاعر الحنين في صمت؟
الجالية المغربية تضخ مليارات سنويًا في الاقتصاد، وتبقى في كثير من الأزمات، صمام أمان مالي. فهل يُطلب منها أن تكتفي بعبارة: “واجبك الطبيعي”؟
السياسة لا تُدار بمنطق “علاش نشكرك”، بل بمنطق “مرحبا بك، نحن في حاجة إليك، كما أنت في حاجة إلينا”. الفرق بين الجملتين هو الفرق بين خطاب يجذب العقول، وخطاب يثير الحواجب.
الوزير ولغة الشارع
المشكل ليس في الفكرة، بل في النبرة. حين يدخل قاموس “دارك هادي” إلى منصة رسمية، يتحول النقاش من مضمون اقتصادي إلى جدل لغوي وأخلاقي. الوزير ليس معلقًا في مقهى، بل ممثل دولة تسعى – رسميًا – لاستقطاب “أدمغة المهجر”.
فكيف نقنع كفاءة تشتغل في مختبر أوروبي، أو شركة أمريكية بأن تعود، بينما أول رسالة تسمعها هي: “ما درتيش فينا خير كبير”؟
الدولة ليست بيتًا… بل مشروعًا
صحيح أن الوطن بيت معنوي. لكن في السياسة الاقتصادية، الوطن أيضًا مشروع استثماري، بيئة أعمال، مناخ ثقة. والمستثمر – حتى لو كان ابن البلد – يبحث عن إشارات إيجابية، لا عن دروس في الوطنية.
الوزير أراد أن يساوي بين الداخل والخارج، فوقع في فخ تقليل قيمة الرمز. أراد أن يقول، إن العودة ليست بطولة، فبدا كأنه يقلل من قرار صعب، يتخذه كثيرون بعد سنوات من الاستقرار بالخارج.
الخلاصة
لا أحد ينتظر سجادة حمراء. لكن قليلًا من الدبلوماسية لا يضر.
الوطن لا يُشكر على كونه وطنًا، نعم… لكن من يعود إليه لا يُخاطب بلغة التوبيخ.
السياسة ليست قول الحقيقة فقط، بل قولها بطريقة تجعل الناس، يرغبون في سماعها مرة أخرى.
أما نحن، فسننتظر الإفطار القادم… لعل البلاغة، تعود هي الأخرى إلى أرض الوطن.




