وطن للبيع… الضمير آخر سلعة في السوق!

محمد صابر
كان المواطن الكادح، منذ سنوات، يبيع صوته في الانتخابات بثمن وجبة غداء، أو كيس دقيق، أو ورقة نقدية لا تكفيه إلى نهاية الأسبوع. وكان يظن أنه أذكى من الجميع، لأنه قبض الثمن، قبل أن يبدأ العرض.
أما المشتري، فلم يكن يشتري صوتًا فقط، بل كان يشتري خمس سنوات كاملة من الصمت، وخمس سنوات من الحق في الحديث باسم من باعوه، وخمس سنوات، من الامتيازات التي لا تُقاس بثمن ذلك الظرف الصغير، الذي غيّر مصير صندوق الاقتراع.
وبعد إعلان النتائج، ينتهي موسم شراء الأصوات، ليبدأ موسم بيع الأوهام.
تتشكل الحكومة، وتبدأ الاجتماعات، وتنعقد اللجان، وتُرفع الشعارات، ثم يكتشف المواطن أن من كان يشتري صوته بالأمس، أصبح اليوم يملك مفاتيح القرار، وأن اللعبة أكبر بكثير من ورقة انتخابية.
وفجأة، تتحول أسعار المحروقات، وسوق المقاصة، وغلاء المعيشة، إلى مجرد تفاصيل هامشية في حياة المواطن. فالصوت الذي باعه بالأمس، مقابل حفنة من الدراهم، عاد إليه اليوم في هيئة فواتير لا ترحم، وأسعار تشتعل، وقدرة شرائية تتبخر.
حينها يكتشف أن الثمن الذي قبضه، لم يكن سوى دفعة أولى من فاتورة سيدفعها لسنوات. فلا البنزين، يسأل إن كان قد باع صوته، ولا الأسواق ترحم جيبه، ولا الغلاء يعترف بأعذار الندم.
أما أكثر ما يؤلم، فليس فقط ارتفاع الأسعار، بل ذلك الإحساس القاسي، بأن المواطن صار عاجزًا حتى عن الشكوى، لأن أول من سيذكره بماضيه، هم أولئك الذين سيقولون له بسخرية: “ألم يكن صوتك معروضًا للبيع؟”
وهكذا، لا يبقى من الصفقة سوى مرارة الشماتة، بينما تستمر دورة الغلاء في الدوران، ويكتشف المواطن متأخرًا، أن بعض الأصوات لا تُباع، لأنها حين تُباع… يُشترى بها مستقبل بأكمله.
لكن، قبل أن نرفع أصابع الاتهام نحو السياسة وحدها، دعونا ننظر قليلًا إلى المرآة.
كم من تاجر يضع على ميزانه إصبعًا لا يظهر للزبون؟
كم من بائع يكتب “جودة ممتازة”، بينما البضاعة تبكي في صمت من شدة الغش؟
كم من حرفي، يعدك بأنه سيُنجز العمل في يومين، ثم تكتشف أن التقويم عنده يعمل بالتقسيط؟
كم من شخص يقسم بالله، أنه لا يربح إلا درهمين، بينما آلة الحساب، تكاد تُصاب بالإغماء من كثرة الأرباح؟
صرنا نطالب بالنزاهة من الجميع… باستثناء أنفسنا.
كل واحد يريد حكومة من الملائكة، لكنه لا يرى بأسًا في إضافة سنتيمات، فوق الثمن الحقيقي، أو إنقاص غرامات من الميزان، أو إخفاء عيب في سلعة، أو البحث عن “معرفة” لتجاوز الطابور.
الغريب أن كلمة “الضمير” أصبحت تُستعمل أكثر في الخطب منها في الحياة اليومية.
أما الحب… فحدث ولا حرج.
كان الناس يحبون، لأن القلوب كانت تعرف طريقها.
اليوم، أصبح الحب مشروعًا استثماريًا.
يحبك ما دمت مفيدًا.
ويشتاق إليك إذا احتاج إليك.
ويتذكر رقم هاتفك، عندما تضيق به الدنيا.
أما إذا توقفت مصالحك عن خدمة مصالحه، فإنه يكتشف فجأة أنك “تغيّرت”.
لقد تغيرت المقاييس بشكل مخيف. لم نعد نقيس الإنسان بأخلاقه، ولا بوفائه، ولا بمواقفه حين تشتد الأزمات، بل بما يعرضه على الشاشات الصغيرة. وإذا اختلفت معه في الرأي، أصبحت عدوًا للوطن والإنسانية والكوكب بأكمله!
أصبح كثيرون يطاردون الصورة أكثر من الحقيقة، ويهتمون بالانطباع أكثر من الجوهر، حتى صار النجاح، يُختزل في عدد المتابعين، والثقافة في مقطع قصير، والحكمة في عبارة منسوخة، والإنسان في حساب إلكتروني،قد يختفي بضغطة زر.
صرنا نعيش زمنًا تُقاس فيه القيمة، بما تملك لا بما تكون، ويُصفق فيه للمظاهر، بينما تُهمَّش المبادئ، ويُكرَّم صاحب الضجيج أكثر من صاحب الإنجاز.
والأخطر من كل ذلك، أن الكذب أصبح مهارة، والنفاق ذكاءً اجتماعيًا، والانتهازية “وسيلة”، أما الصدق، والاستقامة، والحياء، فأصبحت عند البعض صفات، لا تساعد على النجاح.
إنها ليست أزمة هواتف أو منصات تواصل، بل أزمة معايير. وحين تختل المعايير، يصبح من السهل أن يتقدم من لا يستحق، وأن يتراجع من يستحق، وأن يتحول المجتمع، شيئًا فشيئًا، إلى مسرح كبير، يتنافس فيه الجميع على أداء الأدوار، بينما الحقيقة تجلس وحيدة في آخر الصفوف.
أما الكذب، فلم يعد مجرد سلوك سيئ.
لقد ترقى في المناصب.
أصبح مديرًا عامًا للعلاقات الاجتماعية.
يكذب الموظف على المواطن.
ويكذب المواطن على الموظف.
ويكذب البائع على المشتري.
ويكذب المشتري على زوجته، حين يخبرها أن الأسعار ارتفعت، أكثر مما ارتفعت فعلًا.
ويكذب التلميذ على الأستاذ.
ويكذب الأستاذ على نفسه حين يقول، إن كل شيء على ما يرام.
حتى الصور لم تعد تقول الحقيقة.
الابتسامات أصبحت تُستورد للفيسبوك، بينما الحزن يحتفظ بالإقامة الدائمة داخل البيوت.
أما النفاق… فقد حقق إنجازًا تاريخيًا.
لم يعد مجرد صفة.
بل أصبح لغة رسمية غير مكتوبة.
في حضورك… أنت أعظم إنسان.
وفي غيابك… يتحول البعض إلى خبراء في تشريح شخصيتك.
صار الإنسان يحمل وجهًا للعمل، ووجهًا للأصدقاء، ووجهًا للعائلة، ووجهًا لمواقع التواصل، ووجهًا خامسًا لا يعرفه حتى هو.
وكأننا أصبحنا نخشى الحقيقة، أكثر مما نخشى الكذب.
المؤلم ليس أن الفساد، يوجد في السياسة فقط.
المؤلم أن الفساد الصغير، تسلل إلى تفاصيل حياتنا اليومية، حتى أصبح البعض يعتبر الغش أمر عادي، والكذب “ذكاءً اجتماعيًا”، والنفاق “دبلوماسية”، وبيع الضمير “حسن تدبير”.
ثم نجلس آخر الليل، نتساءل باستغراب:
لماذا لا يتغير هذا الوطن؟
وكأن الوطن كائن يعيش في كوكب آخر.
الوطن يبدأ من الميزان قبل البرلمان.
ومن الصدق قبل صندوق الاقتراع.
ومن الضمير قبل الدستور.
ومن احترام الإنسان لأخيه الإنسان، قبل المطالبة بإصلاح العالم.
إن الأمم لا تسقط دفعة واحدة، بل تتآكل حين يصبح الكذب عادة، والغش مهارة، والنفاق أسلوب حياة، وبيع المبادئ مجرد “فرصة لا تُعوّض”.
ويبقى السؤال المؤلم:
إذا كان الجميع يشتكي من انعدام الضمير… فمن الذي دفنه؟
دعونا، إذن، لا نرثي الوطن وحده، بل نرثي ذلك الإنسان الذي فقد بوصلته، حتى صار يظن أن الذكاء هو أن يخدع، وأن النجاح هو أن يسبق غيره ولو على أكتاف المبادئ.
ودعونا، في المقابل، نفتخر بأننا ما زلنا نؤمن أن الكلمة أمانة، وأن الرأي مسؤولية، وأن الضمير ليس سلعة تُباع في موسم الانتخابات، ولا في سوق المصالح، ولا على موائد النفاق.
فلنبقَ فقراء إن اقتضى الأمر، لكن أغنياء بالكرامة. ولتبقَ أيدينا قليلة الحيلة، خيرٌ من أن تكون ملطخة بالغش والخداع. ولتبقَ جيوبنا خفيفة، ما دامت قلوبنا لا تحمل أثقال الخيانة، ولا تعرف طريقًا إلى بيع المبادئ.
قد يسخر منا زمنٌ أصبحت فيه القيم تُعدُّ سذاجة، وقد يصفنا البعض بأننا لا نجيد “اللعبة”. لكن عزاءنا أننا سننام كل ليلة بضمير لا يحتاج إلى محامٍ يدافع عنه، ولا إلى شاهد زور يبرر أفعاله.
فالأوطان لا يبنيها الأذكياء في الاحتيال، ولا الماهرون في تبديل الأقنعة، بل يبنيها أولئك الذين يظلون أوفياء للحقيقة، حتى حين تصبح الحقيقة مكلفة.
وربما لن نغير العالم كله، لكن يكفينا شرفًا أن العالم، بكل ما فيه من زيف، لم ينجح في أن يغيرنا.




