وكأن امبارك العفيري لم يكن.. عندما تتحول السياسة إلى ممحاة!

ضربة قلم
في المغرب، هناك من يغادر منصبه بعد انتهاء الولاية.
وهناك من يغادر، بعد خسارة الانتخابات.
وهناك من يغادر، لأنه قرر التقاعد.
لكن هناك نوع آخر من المغادرة…
تلك التي تجعلك تستيقظ صباحاً، فتكتشف أن كل المناصب التي كانت تسبق اسمك، أصبحت في خبر كان.
رئيس جماعة..
برلماني..
صاحب نفوذ..
رجل المناسبات..
ثم فجأة..
لا شيء.
وكأن شخصاً ضغط على زر “إعادة ضبط المصنع”.
أمس.. كان رئيسًا لجماعة المنصورية، ونائبًا برلمانيًا بمجلس النواب عن دائرة إقليم بنسليمان. كانت الأبواب تُفتح، والهواتف لا تتوقف عن الرنين، والكاميرات تتسابق لالتقاط الصور. اليوم.. لم يعد رئيسًا للجماعة، ولم يعد نائبًا برلمانيًا، بعد أن انتهى المسار القضائي الإداري بقرار نهائي. هكذا هي السياسة.. قد ترفعك إلى القمة، وقد تنزع عنك كل الألقاب دفعة واحدة. فالمناصب، ليست ملكًا لأحد، والكرسي لا يعترف بالخلود.
الغريب أن السياسة لا تسحب منك المنصب فقط… بل أحيانًا تسحب مع المنصب كل الذين كانوا يدورون في فلكه.
السياسة عندنا أحياناً تشبه المسرح.
البطل يدخل وسط الأضواء.
الكاميرات تلاحقه.
الهواتف تتسابق لالتقاط الصور معه.
كل واحد يريد أن يقف بجانبه.
وكل واحد يقول:
“هذا هو الرجل.”
لكن..
بمجرد أن يسدل الستار..
تختفي الأضواء.
وتختفي الكاميرات.
ويختفي حتى أولئك الذين كانوا يتنافسون، على الجلوس في الصف الأول.
وكأن الرجل، لم يكن موجوداً أصلاً.
أغرب شيء في السياسة، ليس الصعود..
بل سرعة النسيان.
أمس..
كان الهاتف، لا يتوقف عن الرنين.
واليوم..
حتى شركات الإشهار، قد لا تتصل.
أمس..
كانت المكاتب مفتوحة.
واليوم..
قد تحتاج إلى موعد.
أمس..
كان الجميع يبتسم.
واليوم..
الجميع مشغول.
وكأن الذاكرة السياسية، عند البعض، لا تتجاوز أربعاً وعشرين ساعة.
هذا هو الدرس الحقيقي.
المنصب لا يصنع الإنسان.
بل الإنسان هو الذي يعطي قيمة للمنصب.
وإذا كان المنصب، يستطيع أن يجمع حولك عشرات الأشخاص..
فهو لا يستطيع أن يضمن بقاءهم.
لأن بعض الصداقات في السياسة..
صلاحيتها مرتبطة بالكرسي.
إذا ذهب الكرسي..
ذهب كل شيء.
والأجمل في القصة..
أن المواطن البسيط، الذي كان ينتظر إصلاح طريق، أو إنارة حي، أو تبسيط وثيقة إدارية..
يكتشف مرة أخرى، أن المناصب ليست أبدية.
وأن الزمن السياسي، يدور بسرعة أكبر، مما يتصور البعض.
ولهذا، فإن المسؤول الذكي، لا يبني مجده على طول البقاء في المنصب.
بل يبنيه على ما سيقوله الناس عنه، بعد مغادرته.
هل سيقولون:
“كان رجلاً ترك أثراً.”
أم سيقولون:
“واش كان أصلاً هنا؟”
ولعل الرسالة الأهم في كل هذا، ليست مرتبطة بشخص بعينه، وإنما بكل مسؤول حالي أو مستقبلي.
فالكرسي، ليس ملكية خاصة.
والسلطة، ليست إرثاً عائلياً.
والمنصب، ليس عقداً دائماً.
قد تبقى سنوات طويلة في موقع المسؤولية..
لكن قراراً واحداً، أو حكمًا نهائياً، أو تغيراً في الظروف، قد ينهي مساراً امتد لعقود.
لهذا، فإن الاستثمار الحقيقي ليس في الكرسي..
بل في السمعة، واحترام القانون، والإنجاز الذي يبقى بعد الرحيل.
ويبقى السؤال الذي يطرحه المواطن، بابتسامة ساخرة:
إذا كانت المناصب، تذهب بهذه السرعة..
فلماذا يتصرف بعض المسؤولين، وكأنهم وقعوا عقداً مع الخلود؟
فالسياسة، في النهاية، ليست فندقاً للإقامة الدائمة…
إنها محطة عبور.
ومن ينسى هذه الحقيقة، قد يستيقظ يوماً ليكتشف أن الألقاب اختفت، والمواكب انتهت، والكاميرات رحلت..
وكأنها تقول له:
“شكراً على المشاركة… انتهى العرض.”




