ولد البلاد… ولكن بلا بلاد!

م-ص
تستيقظ كل صباح وأنت تحمل بطاقة تعريف وطنية، وعَلمًا في المدرسة، ونشيدًا تحفظه عن ظهر قلب… لكن رغم كل ذلك، لا تشعر أن هذا الوطن لك. أنت هنا فقط لأنك لم تجد وسيلة للمغادرة. هنا، حيث يُطلب منك أن تصبر، أن تدفع، أن تصوّت، أن تقتنع بأنك حرّ… وأنت بالكاد تُعامل كإنسان.
كثير من المغاربة، خاصة الشباب، يعيشون اغترابًا داخليًا خانقًا، ليس لأنهم يريدون الهروب من المسؤولية، بل لأن هذا البلد، ببساطة، لا يعترف بهم. لا يسمعهم. لا يراهم. يعيشون كأنهم ضيوف في وطنهم. يشتغلون في أعمال لا تشبه طموحاتهم، يدرسون مقررات لا تشبه سوق الشغل، يستهلكون إعلامًا لا يمثلهم، ويواجهون مؤسسات تعاملهم كأرقام إدارية جامدة، لا كأفراد لهم كرامة وحقوق.
الجامعة تصنع حاملي الشواهد لا حاملي الأمل. الشوارع تعجّ بخريجين بلا بوصلات، بإحساس عميق أن لا أحد في السلطة يخطط لهم، أو يفكر فيهم. لا أحد يتساءل إن كانوا يشعرون بانتماء لهذا البلد، أم أنهم فقط ينتظرون تأشيرة أو قارب موت يحقق لهم ما لم يحققهم لهم وطنهم.
المؤلم أن هذا الاغتراب صار طبيعيًا. صرنا لا نستغرب حين يقول شاب: “ما بقا عندي ما يدار هنا”. ولا نندهش حين يقول آخر: “ماشي حيت كنحماق على أوروبا… ولكن هنا ما بقاتش بلاد”.
نسمع ونصمت. كأنّ الاغتراب لم يعد أزمة، بل مجرد عرض جانبي للعيش في المغرب.
الوطن ليس أرضًا فقط. هو إحساس، هو انتماء، هو اعتراف متبادل. لكن ما الذي يُشعرك بالانتماء حين تُعامل في الإدارات كمتسوّل، وتُواجه في سوق الشغل كعالة، وتُصنّف في الإعلام كمشكلة، لا كإنسان؟
لا أحد يكره بلده من فراغ. لكن من الطبيعي أن يتعب الناس من حبّ من لا يحبهم. من الطبيعي أن يتآكل المواطن حين يُقال له: “راك ولد البلاد”، ثم يُترك ليتسوّل وظيفة، أو يركب قاربًا بلا ضمانات، أو ينتحر اجتماعيًا في المقاهي وعلى الأرصفة.
لا نحتاج حملات “حب الوطن”، بل نحتاج وطناً يُحبنا فعلًا، يُنصت، يُشرك، يُحاور، ويعترف أننا لسنا مجرد “سكان”، بل شركاء.
الوطن الحقيقي لا يُباع في الشعارات ولا يُختزل في “العام زين”. الوطن الحقيقي يُبنى بالعدالة، لا بالصور.
نحن لا نكره المغرب… لكننا نتألم لأننا نحبه ولا نجد أنفسنا فيه.




