وهبي في القاعة… والنواب في عطلة سياسية جماعية!

ضربة قلم
ما حدث في جلسة مجلس النواب لا يُمكن قراءته كحادث عرضي أو مجرد تقاعس روتيني عن الحضور، بل هو مشهد برلماني غير مسبوق يُعري حجم التصدعات داخل المؤسسة التشريعية، ويثير تساؤلات سياسية عميقة حول موقع عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، في المشهد السياسي المغربي، وتحديدًا علاقته مع مكونات البرلمان، بمن فيها حلفاؤه المفترضون.
غياب 333 نائباً من أصل 395، أي ما يقارب 85% من الجسم البرلماني، خلال جلسة يُفترض أن تكون “حاسمة” للمصادقة على تعديل قانون المسطرة الجنائية، لا يمكن أن يُقرأ فقط ككسل أو استهتار بالواجب الدستوري، بل يكاد يكون “موقفاً جماعياً غير معلن”، أو على الأقل، صمتاً مدوّياً يكشف عن أزمة ثقة أو حتى حالة من اللامبالاة المتعمدة تجاه مشروع إصلاحي يُفترض أن يحظى بالإجماع أو على الأقل بالحد الأدنى من الجدية.
ما يزيد الطين بلة هو أن هذا المشروع لا يتعلّق بمبادرة ثانوية أو قانون عادي، بل يمسّ صلب العدالة الجنائية، ويتعلّق بحقوق المتقاضين، وضمانات المحاكمة العادلة، ومسارات التحقيق والمتابعة، أي إنه بمثابة مرآة للدولة القانونية الحديثة التي يتغنى بها الجميع في الخطب الرسمية. فكيف يعقل أن يُعرض مثل هذا النص، ولا يجد في قاعة البرلمان سوى أقلية ضئيلة، وكأننا أمام حفل صغير حضره المقرّبون فقط؟
السؤال المؤلم هنا: هل هذا الغياب موقف ضمني من عبد اللطيف وهبي نفسه؟
الجواب ليس بسيطاً، لكنه لا يحتاج إلى كثير من التخمين. فالرجل، ومنذ توليه حقيبة العدل، أثار الكثير من الجدل، سواء من خلال تصريحاته النارية، أو تحركاته التي أربكت حتى حلفاءه في الأغلبية. وبدأت معالم “التململ البرلماني” منه تظهر بشكل أوضح منذ اللحظة التي تصاعد فيها النقاش حول مدى جدية وزارته في تنزيل إصلاحات حقيقية، أو حتى في إشراك البرلمان في صياغة تلك الإصلاحات.
الأكثر غرابة أن هذا الغياب الجماعي حدث في قراءة ثانية للنص، أي بعد أن تم تمريره بالفعل في القراءة الأولى، ما يجعل الغياب يبدو وكأنه لا يتعلق بمحتوى المشروع فقط، بل ربما برسالة سياسية إلى الوزير نفسه، رسالة مفادها: “مررنا لك النص شكلياً، لكن لا تنتظر منا احتفاءً أو تزكية سياسية”.
الغائبون – وإن لم يعلنوا موقفًا مباشرًا – قد عبّروا بأجسادهم الغائبة أكثر مما كانوا سيعبّرون بكلماتهم. فأن تخلو مقاعد البرلمان من أصحابها في لحظة يُنتظر منهم فيها أن يُثبتوا حرصهم على إصلاح العدالة، فذلك في السياسة يُعتبر إهانة ناعمة أو بالأحرى “مقاطعة صامتة” لا تحتاج إلى بلاغ حزبي.
ولعل بعض النواب، حتى من داخل الأغلبية، فضلوا أن يتواروا عن الأنظار على أن يُحسبوا ضمن قائمة المصوتين على مشروع لم يقتنعوا به تمامًا، أو على الأقل لا يريدون أن يمنحوا وزير العدل لحظة انتصار برلمانية، خصوصاً بعد أن أصبح وهبي، في نظر كثيرين، عنواناً للجدل أكثر منه عنوانًا للإصلاح.
أما المعارضة، فربما رأت في هذا الغياب فرصة ذهبية لإحراج الوزير دون أن تتحمل هي وزر التصويت أو الرفض، خصوصاً وأنها صوّتت سابقًا بالرفض، وتريد الآن أن تدع الوزير يواجه الموقف بمفرده في قاعة شِبه فارغة.
في النهاية، الجلسة لم تكن فقط حول تعديل المسطرة الجنائية، بل كانت عن المسطرة السياسية لعبد اللطيف وهبي نفسه داخل البرلمان: موقعه، وزنه، ومدى قدرته على تعبئة الفرق السياسية حتى في الحد الأدنى من اللحظات الرمزية. ويبدو أن الإجابة جاءت مؤلمة: الوزير حاضر، والنص حاضر، لكن البرلمان… غائب بإصرار.




