وهبي في مواجهة البذلة السوداء.. هل أشعل وزير العدل أكبر أزمة مع المحامين؟

ضربة قلم
ليست القضية مجرد استقالة نقيب هنا أو هناك، وليست مجرد خلاف عابر حول بعض المواد القانونية، التي أضيفت أو حذفت من مشروع قانون المهنة. ما يحدث اليوم داخل بيت المحاماة المغربية، أكبر بكثير من ذلك. نحن أمام لحظة مفصلية تكشف عن أزمة ثقة عميقة بين أصحاب البذلة السوداء وصناع القرار التشريعي، وعن شعور متنامٍ داخل الجسم المهني، بأن صوت المحامين لم يعد مسموعاً بالقدر الكافي، داخل المؤسسات التي يفترض أنها تصوغ مستقبل العدالة.
في الدول التي تحترم توازن السلط، لا يُنظر إلى المحامي باعتباره مجرد مهني يرافع داخل المحاكم، بل باعتباره أحد أعمدة العدالة. فالقاضي يصدر الأحكام، والنيابة العامة تمارس سلطة الاتهام، أما المحامي فيمثل سلطة الدفاع، وهي سلطة لا تقل أهمية عن باقي مكونات المنظومة القضائية.
لهذا السبب بالذات، فإن إعلان النقباء استعدادهم لوضع استقالاتهم الجماعية، لا يمكن التعامل معه كحدث عادي أو كحركة احتجاجية موسمية. إنها رسالة سياسية ومؤسساتية شديدة الوضوح مفادها أن جزءاً مهماً من الأسرة المهنية، يشعر بأن التعديلات الأخيرة، التي مست مشروع القانون، لم تعد تعكس التوافقات التي بنيت عليها جولات الحوار السابقة.
المثير في المشهد أن المحامين، اختاروا هذه المرة سلاحاً مختلفاً. فبدلاً من العودة إلى الإضرابات التي تشل المحاكم وتعطل مصالح المواطنين، فضلوا اللجوء إلى خطوة رمزية ثقيلة الدلالة: الاستقالة الجماعية للنقباء.
إنها طريقة ذكية لإحراج الجميع.
إحراج للحكومة التي تجد نفسها أمام رفض مهني واسع.
وإحراج للبرلمان الذي سيجد نفسه أمام اتهامات، بتجاهل ملاحظات الفاعلين المباشرين في قطاع العدالة.
وإحراج للرأي العام الذي سيطرح سؤالاً بسيطاً: كيف يمكن إصلاح العدالة في غياب توافق مع من يشكلون أحد أعمدتها الأساسية؟
لكن خلف هذه الأزمة يختبئ سؤال أكبر وأخطر.
هل أصبحت المقاربة التشريعية في المغرب، تميل أكثر نحو منطق الأغلبية العددية داخل المؤسسات المنتخبة، أم أنها ما زالت تؤمن بمنطق التوافق مع الهيئات المهنية والخبراء والفاعلين الميدانيين؟
فالمحامون لا يحتجون فقط على بعض المواد القانونية، بل يعبرون عن تخوف أوسع يتعلق بمكانة المهنة نفسها، داخل منظومة العدالة. إنهم يخشون أن يتحول المحامي من فاعل مستقل إلى مجرد رقم داخل معادلة إدارية أكبر منه.
ولهذا نرى أن لغة البيانات الصادرة عن الهيئات المهنية، لم تعد لغة تقنية باردة، بل أصبحت لغة دفاعية وجودية، تتحدث عن المكتسبات التاريخية، وعن استقلالية المهنة، وعن حماية مؤسساتها التمثيلية، وعن صون حق المواطن في دفاع حر ومستقل.
وهي مفاهيم لا تخص المحامين وحدهم.
فكل مواطن قد يجد نفسه يوماً أمام قاض أو إدارة أو خصومة قضائية، يحتاج فيها إلى محام مستقل لا يخضع إلا للقانون وضميره المهني.
اليوم تقف المحاماة المغربية عند مفترق طرق حقيقي.
فإما أن ينجح الحوار في إعادة بناء الجسور المهدمة، بين مختلف الأطراف، وإما أن تدخل الأزمة مرحلة جديدة، قد تكون أكثر تعقيداً وأقل قابلية للاحتواء.
وإذا كانت استقالة النقباء، قد تبدو للبعض مجرد إجراء إداري، فإن حقيقتها أبعد من ذلك بكثير.
إنها صرخة صامتة داخل مؤسسات العدالة.
صرخة تقول إن هناك من يشعر بأن شيئاً ما، لم يعد يسير في الاتجاه الصحيح.
وحين يصل حراس حق الدفاع إلى مرحلة التفكير في مغادرة مواقعهم الرمزية احتجاجاً، فإن السؤال لم يعد: ماذا يريد المحامون؟
بل أصبح: ماذا يحدث فعلاً داخل ورش إصلاح العدالة بالمغرب؟




