وهبي يحصّن المادتين 3 و7: التبليغ عن الفساد حكر على المقدم وبس!

ضربة قلم
آه، المادتان الثالثة والسابعة من قانون المسطرة الجنائية، كأنهما آيتان منزلتان من فوق سبع سماوات، لا تقبلان لا نسخًا ولا مسحًا ولا حتى مسًا خفيفًا من أنامل المشرّعين. ومن ذا يجرؤ أصلًا على مدّ يده نحو هاتين المادتين؟ هما أشبه بتمثال بوذا في معبد البرلمان: الكل يطوف حولهما بخشوع، ويصلي لعلّ وهبي يرضى. عبد اللطيف وهبي، شيخ وزراء العدل، الرجل الذي دخل التاريخ من بابه الضيق، مزهوًا بتصريحاته النارية التي تصلح أكثر للملاكمة السياسية منها للتشريع، حرص حرص العاشق على ألا تُمس هاتان المادتان، وكأن فيهما سر البقاء، بل سر التحكم الأبدي.
فلتذهب جمعيات المجتمع المدني إلى الجحيم، أو إلى بند مجهول في دفتر الملاحظات. لم يعد لها من أمر الفساد نصيب، لا بل، تم انتزاع آخر أوراق التوت من على جسدها النحيل وهي تصرخ: يا ناس، أنا هنا للتبليغ! لكن الجواب أتاها من فم وهبي، كما يليق بمقام الرجل: التبليغ؟! ذاك صار اختصاص من نحب ومن نرضى من خدام الدولة، من القياد، والمقدمين، وخلفائهم من سلالة من لا يُسألون عما يفعلون. فهل يجرؤ المجتمع المدني على مراقبة “المخزن”؟ أي جرأة هذه؟ ألا يعلم هؤلاء الحالمون أننا في مملكة الضبط الإداري، حيث المقدم يعرف عنك أكثر مما تعرفه عن نفسك، وحيث القائد ليس فقط رجل سلطة، بل مطوّب رسميًا بسلطة الضبط، تمامًا كشرطي مرور لكن دون صفارة، وأحيانًا دون ضمير؟
الرقم الأخضر، ذلك الكائن العجيب، وُلد في زمن “المحاربة”، حين كان الفساد مثل الغول في القصص الشعبية، نصرخ في وجهه “آش خاصك؟” فيجيب “الرقم الأخضر!”، لكنه الآن تحول إلى ما يشبه المزحة السمجة، كأنك تتصل به لتسأل عن الطقس في الجحيم، أو لتبلّغ عن لص سرق حذاءك بينما هو جالس بجانبك يدخن سيجارة ويبتسم. الرقم الأخضر الذي لطالما قيل لنا إنه عين الرقيب، صار اليوم أشبه برقم “الحظ” في اليانصيب، إن أصبتَ به موظفًا نزيهًا فأنت من المحظوظين القلائل، أما إن صادفت موظفًا “متفاهمًا”، فحظًا سعيدًا، ربما ينصحك بأن تبلّغ عن نفسك بدلًا من القائد الفاسد الذي لا يلمّع سيارته إلا بمسحوق صفقات الجماعة.
نعم، لنتخيّل السيناريو البسيط: مواطن صالح، لا يزال يؤمن أن القانون فوق الجميع، يلتقط سماعة الهاتف، يطلب الرقم الأخضر، يهمس: “القائد ديالنا كيشد الرشوة من تجار الجوطية”. من الجهة الأخرى، صوت ناعم يرد: “شنو دليلك؟ واش عندك فيديو؟ شهود؟ وثائق؟”، المواطن المرتبك يقول: “غير سمعت وشفته كيدخل عنده المقدم حامل السخرة وجامع المداخيل اليومية”، فيأتيه الجواب: “سمعيًا بصريًا ماشي كافي، خاصك ملف قانوني، ودعوى، وشهادة عدم الزواج من الفساد”. في النهاية، يُغلق الهاتف، وتُغلق معه آخر نوافذ الأمل.
من العبث، فعلاً من العبث، أن نمنح الصفة الضبطية لأشخاص يشتغلون في فضاءات تنعدم فيها الشفافية، وننزعها عن جمعيات هي أصلاً تعيش على الشفافية أو تموت جوعًا. القياد والمقدمون قد يصبحون، بفضل هذا القانون، مثل القضاة لكن دون قوس المحكمة، يحققون، ويضبطون، ويحررون المحاضر، وربما – إن اتسع صدر القانون أكثر – يصدرون أحكامًا ميدانية مثل القاضي في أيام السيبة. تخيّل فقط أن المقدم الذي كان بالأمس يبلغ عنك للسلطة، صار اليوم هو نفسه “السلطة الضابطة”. في هذا البلد، الانتقال من “مخبِر” إلى “ضابط” لا يحتاج إلى تدريب، بل فقط إلى توقيع في الجريدة الرسمية.
والطامة الكبرى، أن كل هذا يحدث تحت غطاء “إصلاح العدالة”، وكأن العدالة كانت بحاجة إلى هذه التعديلات حتى تزداد اختناقًا. الوزير وهبي، وقد جلس في مكتبه الفاخر، قرر أن ينفذ عفوا أن يجعل من قانون المسطرة الجنائية لوحة سوريالية، عبثية، لا يفهمها أحد إلا من تذوق “مرارة” الإصلاح كما يراها هو. ما العيب في أن تُبعد الجمعيات؟ وما الضير في أن تمنح السلطة لمن لا يُحاسب؟ ألا نعيش في بلد تحكمه الحكمة؟ والحكمة هنا أن تُبقي على الفساد بين العائلة، لا أن تفتحه على الغرباء باسم “المجتمع المدني”.
في النهاية، يبدو أن القانون، كما أُعيد تشكيله، لم يُخلق لمحاربة الفساد، بل لتنظيمه. لتوزيع أدواره. لتحديد من له حق التبليغ، ومن له امتياز الصمت، ومن عليه أن يصلي في محراب “الرقم الأخضر” دون أن يسأم. وكما يُقال في المقاهي: “إلا كنت باغي تشوف الفساد، سِير للباب اللي مكتوب عليه: شكون قالها ليك؟” أما الأبواب الأخرى، فأقفلت بمفتاح اسمه المادة الثالثة، وشقيقتها الأصغر، المادة السابعة، وتحت حراسة مشددة من شيخ اسمه عبد اللطيف.




