وهبي يشعلها… والمفوضون يردّون بقوة

ضربة قلم
شهد ملف المفوضين القضائيين بالمغرب منعطفًا جديدًا بعد التصريحات التي أدلى بها وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، خلال اجتماع لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب، حيث وجّه انتقادات مباشرة للمفوضين، قائلاً إنهم يرفضون التبليغ الجنائي ويبالغون في طلب الأتعاب. هذه التصريحات فجرت موجة من ردود الفعل داخل الهيئة الوطنية للمفوضين القضائيين، وأعادت النقاش حول واقع المهنة وحدود تدخل الوزارة وحدّة التوتر بين الطرفين.
ورداً، خرجت الهيئة الوطنية للمفوضين القضائيين ببيان شديد اللهجة، قالت فيه إن كلام الوزير «مجاني واستفزازي»، وإن المفوضين «ملتزمون بدورهم في التبليغ الزجري والمدني، بل ومنخرطون طوعاً وبالمجان في أغلب الملفات كالتزام قانوني وأخلاقي».
إشكالية الأتعاب والتبليغ: مفوضون تحت المجهر
من بين أبرز زوايا هذا الخلاف، ملف الأتعاب: المفوضون يقولون إنهم قدموا مقترحات واضحة «كأرضية للتفاوض والنقاش الجدي لتحسين وضعيتنا المادية والاجتماعية وحفظ كرامتنا». في مقابل ذلك، وجه إليهم الوزير اتهاماً بأنهم «مبالغون» في طلباتهم، وهو كلام لم يرقّ للهيئة التي شدّدت على رفض أي تدخل خارجي في مهنتهم، خصوصاً في ملف الأتعاب.
كما أكّدت الهيئة أنها ترفض أن تُدار مهنتها من «جهات خارجية»، وأن تدخلها في تحديد أتعاب المفوضين يعدّ بالنسبة لها «قضاءً مسبقاً» على استقلالية المهنة.
دعوة لمسرحية الحوار… أم استنطاق للمهنة؟
في بيانها، طالبت الهيئة وزير العدل بتنظيم مناظرة وطنية حول منظومة أتعاب المهن القانونية، وخصوصاً تلك المرتبطة بقطاع العدالة، معتبرة أن ذلك سبيلٌ لتحقيق «العدالة الأجرية» ورفع «الميز» بين مختلف مكونات منظومة العدالة دون محاباة. كما ذكّرت الوزارة بمقاربة تشاركية وحوار جاد ومسؤول، وهي مقاربة سبق أن نوقشت رسمياً بين الطرفين.
قراءة قانونية وتقنية في جوهر الخلاف
من الزاوية القانونية، يستند المفوض القضائي في ممارسة مهامه إلى القانون رقم 81.03 المتعلق بتنظيم مهنة المفوضين القضائيين، وكذا إلى قانون المسطرة المدنية الذي يمنحه صلاحية التبليغ والتنفيذ باعتباره مساعدًا للقضاء لا موظفًا تابعًا للإدارة.
وبمقتضى هذه النصوص، فإن المفوض القضائي يمارس مهامه في إطار استقلال مهني مضبوط، يخضع في عمله لرقابة النيابة العامة من حيث احترام الشكل والإجراءات، لكن دون تدخل مباشر في أتعابه أو شروط تعاقده مع الأطراف المعنية، ما يعني أن حديث الوزير عن “مبالغة في الأتعاب” يلامس منطقة رمادية في القانون، إذ إن تحديد المقابل المالي يخضع لمبدأ حرية التقدير وفق التعريفة الرسمية الصادرة بمرسوم تنظيمي، لا لتقدير شخصي أو وصاية وزارية.
من الناحية التقنية، تختلف طبيعة التبليغ الزجري عن التبليغ المدني:
فالأول يرتبط بإشعارات النيابة العامة وأوامر الضبط والقضايا الجنحية، وغالبًا ما يُنجز مجانًا أو بمقابل رمزي ضمن خدمة المرفق العام، بينما الثاني يتعلق بالنزاعات المدنية والتجارية والإدارية حيث يتحمل الأطراف مصاريف التبليغ والتنفيذ.
ولذلك، فإن اتهام المفوضين بـ”رفض التبليغ الجنائي” يتعارض مع الواقع العملي، لأن أغلب المفوضين ينجزون تلك المهام بصفة تطوعية أو بطلب من النيابة العامة في إطار التعاون القضائي وليس الربح المالي.
كما أن القانون يمنح وزير العدل سلطة التأطير والإشراف الإداري، لا سلطة التدخل في تفاصيل المهنة، لأن المفوض القضائي، قانونًا، يُعتبر فاعلاً مهنياً مستقلاً داخل منظومة العدالة، شأنه شأن المحامي والموثق والخبراء العدليين.
وبالتالي، فإن جوهر الخلاف يكمن في حدود السلطة التنظيمية للوزارة مقابل الاستقلال المهني للمفوضين القضائيين، وهي معادلة دقيقة تتطلب حوارًا مؤسساتيًا لا سجالاً إعلاميًا.
لماذا الآن؟ ولماذا بهذا الحجم؟
من اللافت أن هذا التوتر يأتي في سياق إصلاح واسع لمنظومة مهن العدالة، ومنها مشروع قانون تنظيم مهنة المفوضين القضائيين (القانون رقم 46.21) الذي يعيد النظر في شروط الولوج ومراقبة المهنة وتعزيز التكوين إن وجدت. لذا فإن الحديث عن التبليغ والأتعاب ليس مجرد شكاوى مالية، بل جزء من صراع أكبر حول من يُبني العدالة، ومن يديرها، ومن يحدد شروط العمل في ملعبها.
خلاصة
في عصر «الإصلاح السريع» والـ«تَّحديث الفوري»، يبدو أن الوزير وهبي اختار أن يسحق بقوة ما يعتبره «ذريعة التأخير والتباطؤ» عند بعض المفوضين، بينما المفوضون ردّوا بأن ما يفعله الوزير هو أن يغلق حوار، ويضيء معلناً ضوء اشتعال الصدام.
من جهة، هناك الوزير الذي يرى أن مهنة التبليغ والتنفيذ أصبحت عبئاً ومجانية… ومن الجهة الأخرى المفوضون الذين يرون أن مهنتهم – رغم ما يطاويها من متاعب – هي «مفتاح عدالة يُستحيل أن تُهزم».
والحاصل؟ أن «حواراً» مفترضاً قد يتحول إلى «مواجهة»، إذا ما استمرّ الخطاب بهذا القدر من التوتر ولم تُفتح قنوات الإصغاء الحقيقي.





https://shorturl.fm/Nd5hm