الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

ياسين الصقلي.. حين تصبح الدراجة جواز سفر لعبور القارات

محمد رياض

هناك رحّالة يسافرون بالطائرات، وهناك من يختار أن يقطع العالم على متن دراجة هوائية، حاملاً معه خيمته، وقليلًا من الزاد وكثيرًا من الصبر، تاركاً للعجلة أن ترسم طريقه بين الجبال والصحاري، والقرى والمداشر، وبين شعوب، لا يعرفها، وأمكنة لم تطأها قدماه من قبل.

ومن بين هؤلاء المغامرين المغاربة، الذين اختاروا الطريق الأصعب والأجمل، يبرز اسم ياسين الصقلي، الذي جعل من دراجته رفيق سفر، ومن الكاميرا، نافذة يطل منها الآخرون على عوالم بعيدة، ومن الترحال أسلوباً في الحياة، ومن المغامرة جسراً للتعرف إلى الإنسان قبل المكان.

أتابع منذ مدة، رحلات عدد من الرحالة المغاربة الذين يقطعون المسافات الطويلة، عبر أصقاع العالم على متن دراجاتهم الهوائية، يعبرون المدن والقرى والمداشر، ويشقون الجبال والوديان والسهوب والقفار، في تجسيد حي لقوة التحمل والشجاعة وحب الاكتشاف ومتعة الاستطلاع. لكن تجربة ياسين الصقلي تستوقفني بشكل خاص، لأنها لا تكتفي بقطع المسافات، وإنما تحوّل الطريق نفسها إلى حكاية، والمكان إلى درس، واللقاء بالإنسان إلى أجمل ما في الرحلة.

ياسين الصقلي.. حين تصبح الدراجة جواز سفر لعبور القارات

إنه شاب مغربي طموح، حوّل عشقه للطبيعة وشغفه بالسفر والترحال إلى تجربة إنسانية وثقافية متفردة. وبأدوات بسيطة، ودراجة وكاميرا وعفوية لا تتكلف شيئاً، يوثق تنوع الطبيعة والحياة والإنسان، ويصنع لنفسه ملحمة رحّالة، تجوب أرجاء الأرض.

آخر فصول هذه الرحلة، يأتي من قلب أستراليا، حيث الخلاء الممتد والطرق الطويلة والدروب النائية. هناك يواصل ياسين الصقلي نسج فصل جديد من مغامرته، على متن دراجته الهوائية، بابتسامته المعهودة وروحه التي تبدو، وكأنها لا تعرف معنى الاستسلام.

وفي أحدث وثائقياته الميدانية، يطل من هذه القارة البعيدة ليحكي، ببساطة ودون افتعال، عن المكان والناس والطريق. وكأنه لا يبحث عن جزاء ولا شكور، ولا يطارد «اللايكات» بقدر ما يترك للرحلة أن تتحدث عنه.

لكن أستراليا ليست البداية.

فالجذور الأولى لهذه المغامرة، نبتت في تربة الوطن، حين طاف بدراجته بين جبال المغرب الشامخة، واخترق فجاجه الوعرة، وجاب وديانه ومسالكه، مروّضاً تضاريس الأطلس، ومختبراً قدرته على الصبر والتحمل والمواجهة. ومن المغرب انتقل إلى قسوة الصحاري الإفريقية وأدغالها، حاملاً معه تجربة أكبر وخبرة أوسع وروحاً، لا تخشى الطريق، قبل أن يفتح لنفسه أبواب المغامرة بين القارات.

ومنذ البدايات، كانت الصورة واضحة: رحّالة لا يبحث عن بطولة مصطنعة، ولا عن بهرجة أمام الكاميرا، بل يختار البساطة ويترك للطريق أن تكشف شخصيته.

يطبخ وجباته البسيطة في الخلاء، ويصلح أعطاب دراجته وسط الطرقات المقفرة، وينصب خيمته تحت سقف السماء، ويتعامل مع الناس بعفوية وهدوء، ثم يشارك متابعيه تفاصيل يومياته كما هي، بلا مكياج ولا مؤثرات ولا ادعاء.

والأجمل أنه لا يكتفي بتصوير المكان، بل يحاول فهمه.

ينقل ثقافة الشعوب والقبائل والجماعات التي يحل بينها، ويصور عاداتها وطقوسها وأنماط عيشها وسلوكها، مدفوعاً بفضول معرفي يتجاوز مجرد السياحة إلى محاولة فهم الجغرافيا الإنسانية، واكتشاف كيف يعيش الإنسان في أكثر البيئات قسوة وعزلة.

ولعل فرادة تجربة ياسين الصقلي، تكمن في هذه المعادلة النادرة: قوة في مواجهة الطريق، ورقة في التعامل مع الإنسان.

فهو يمتلك صبراً استثنائياً، وشجاعة وإرادة تجعله، يتجاوز وعورة المسالك، وتحديات العزلة والوحدة، لكنه في الوقت نفسه يحتفظ بابتسامة دافئة، لا تفارق محياه حتى في أصعب الظروف.

وتلك الابتسامة، ليست مجرد تفصيل في شخصيته، بل تبدو، وكأنها جواز سفر آخر يحمله معه أينما حل. لغة دبلوماسية ناعمة، عفوية وصادقة، تسبقه إلى قلوب الغرباء، وتذيب وحشة الطريق ورهبة الأماكن المجهولة، وتفتح له أبواب الثقة والألفة في مجتمعات وثقافات مختلفة.

ومن خلال هذا السلوك، يقدم ياسين الصقلي صورة جميلة عن المغرب والمغربي: رحّالة شاب يجوب البلدان والقارات، يحمل معه قيم الكرم والتسامح وحسن الخلق، ويتعامل مع الآخر بفضول المحب للحياة، وبإيمان بأن اختلاف الناس والثقافات لا يلغي إنسانيتهم المشتركة.

تجربة ياسين الصقلي على متن دراجته الهوائية تتجاوز، في تقديري، حدود أدب الرحلات التقليدي. إنها درس حي في فلسفة العيش، ورسالة تقول إن السفر الحقيقي، ليس مجرد انتقال من نقطة إلى أخرى، ولا عدد الكيلومترات التي تقطعها، وإنما ما تكتشفه في الطريق، وما تتعلمه من الناس، وما تكتشفه في نفسك، وأنت تواجه المجهول.

ولهذا ربما ينجح ياسين في شيء لا تستطيع الطائرات السريعة، ولا الفنادق الفاخرة، أن تمنحه للمسافر: أن يجعل الطريق نفسها هي الوجهة.

كل دورة في عجلة دراجت،ه تفتح حكاية جديدة، وكل طريق، يقوده إلى مكان آخر، وكل مكان يضع أمامه إنساناً جديداً وقصة جديدة.

وهكذا، يواصل ياسين الصقلي رحلته…

لا كمن يطارد نهاية الطريق، وإنما كمن يعرف، أن أجمل ما في الرحلة، هو ألا تنتهي الحكاية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.