
ضربة قلم
بمجرد ما تطأ قدما العامل الجديد تراب المحمدية، عليه أن يربط الحزام ويشدّ الوثاق على صبره الطويل، لأن ما ينتظره ليس مجرد ملفات إدارية كلاسيكية عن الرخص والميزانيات، بل حقل ألغام اسمه تسيير الشأن المحلي، وقطيعة مستحكمة بين الخطاب السياسي والممارسة الميدانية، حيث الكل يدّعي الفضيلة، لكن حين تحفر قليلاً تكتشف أن الجميع يشتغل على هواه، أو على هوى جيبه.
العامل الجديد، إن صدّق مظاهر حسن السيرة التي قد يستقبله بها البعض، من ابتسامات سياسية مستوردة من عالم التمثيل الرديء، أو دعوات إلى مشاريع بلا طعم ولا رائحة، فعليه أن يراجع مقرراته ويبحث عن قاموس واقعي لفهم ما يجري. في المحمدية، مدينة الزيوت وتكرير البترول، والزهور والرياضات الأنيقة سابقًا، أصبحنا اليوم أمام فراغ مؤسساتي لا يُملأ، مجلس بلدي يشتغل بلا برنامج عمل، وهذا في حد ذاته جريمة تدبيرية مكتملة الأركان. كيف يعقل أن تظل مدينة بهذا الحجم بلا تصور؟ بلا أهداف؟ بلا مؤشرات؟ وكأننا نقود سيارة من دون مقود ولا فرامل، وكل واحد في المجلس يلوي عنق النصوص بحسب موقعه من الغنيمة.
المدينة تعاني من خلل هيكلي عميق، لا يمكن عزوه إلى القدر أو تحميله للدولة العميقة أو حتى لتقلبات الطقس السياسي. إنما هو نتيجة تراكمات في التدبير والمقاربات، تحتاج إلى مراجعة جريئة وواقعية. لذلك، نوجّه دعوة صادقة إلى العامل الجديد لعقد لقاء جامع مع كل مكونات المجلس الجماعي لمدينة المحمدية، أغلبية ومعارضة، ليس فقط من باب البروتوكول، بل للاستماع بتأنٍ إلى مختلف وجهات النظر، ومعاينة حجم الإشكالات عن قرب. فلكل طرف رؤيته، ولكل فريق أولوياته، ولا يمكن رسم خريطة طريق سليمة دون سماع نبض الجميع، على أمل أن يخرج الاجتماع بأفكار عملية لا بخلافات تُضاف إلى سجل المدينة المثقل بالتأجيلات.
وفي خضم هذا الضجيج، هناك ملف اسمه شباب المحمدية، فريق المدينة الذي تحول إلى كرة يقاذفها هواة التسيير، وكأننا في بطولة للهواة داخل حانة مهجورة. الفريق يحتاج إلى مكتب مسيّر حقيقي، لا إلى وكلاء لأطراف خفية، ولا إلى مقاولات تدير الكرة كما يدار ورش إصلاح، حيث الأهداف لا تُسجل في المرمى، بل في دفاتر الصفقات.
أما البناء العشوائي، فحدث ولا حرج. كل جماعة من جماعات العمالة تحولت إلى ورشة مفتوحة على العبث، حيث الزنقة تقود إلى بيت غير قانوني، والبيت يقود إلى بنايات إضافية من دون ترخيص، وكل بناية تطل على سكوت وجيوب السلطات. لذلك نقترح على العامل أن يُفاجئ الجميع، ويُوفد لجنة تفتيش نزيهة بالفعل لا بالقول، لجنة لا تعرف معنى “سير الله يسهل”، بل تشتغل بعين المواطن لا بعين الواسطة.
ولأننا في زمن الاستفادة الموجهة، لا يمكن أن نغض الطرف عن مشروع زناتة الجديدة، ذلك الحلم الذي انقلب كابوسًا، حيث التلاعبات بالمتر، والامتيازات بالمكالمة، وخروقات التعمير صارت شيئًا عاديًا، أشبه برائحة الصهاريج في فصل الصيف. فتح تحقيق جدي في هذا الملف سيكون بمثابة تصحيح للبوصلة، أو على الأقل محاولة للحد من مهازل توزيع الغنائم تحت مسميات سكنية مغشوشة.
وبما أن المدينة أصبحت تُبتلى بين الحين والآخر بإشاعات لا تقل خطورة عن خروقات التعمير، فقد راج مؤخرًا أن عادل المالكي، العامل الجديد القادم من عمالة الصويرة، له صلة قرابة بالحبيب المالكي، وربما انتظر البعض أن يتم تفعيل الزبونية السياسية عبر هذا الباب. لكننا نؤكد، أن لا صلة بين الرجلين، وأن عادل المالكي لا علاقة له لا من قريب ولا من بعيد بالحبيب المالكي، اللهم إلا إذا كانت الألقاب وحدها تُنتج السياسات.
كما لا يفوتنا أن ننبه العامل الجديد إلى ضرورة التيقظ في التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفرق، ومنها مثلاً رفض ظهور بعض “الوجوه المألوفة” في مشهد تسليم السلط، وعلى رأسهم سمسار طويل القامة، يُروّج له كأنه جزء من الطقوس الرسمية. حضور من هذا النوع ليس مجرد زلة بروتوكولية، بل هدية مسمومة قد تلطخ سمعة أي مسؤول لا يملك حسّ الفرز ولا قدرة التمييز بين الترحاب والمحاباة.
في النهاية، نرحب بالعامل الجديد ترحيبًا يليق بمدينة تعبت من التسويف، وكل ما نرجوه منه ألا يتحول إلى جزء من المشكلة، أو إلى صورة جديدة تُضاف إلى أرشيف الزيارات البروتوكولية، وأن يخرج من دائرة الرتابة ليُحدث زلزالًا إيجابيًا في تدبير شأن عام أفسدته أيادي العبث، والولاءات الضيقة، والنرجسية المفرطة والبطء الإداري، والإحباط الشعبي.
أما العامل غير المأسوف على رحيله، فرغم كل شيء، نعتقد أنه سيظل يكنّ لنا قدرًا من الاحترام، لأنه يعرف أننا كنا ننتقده وهو في موقع المسؤولية، لا بعد مغادرته، ولم نكن من أولئك الذين قضوا سنوات في مدحه وتبرير قراراته، ثم ما إن سمعوا بخبر رحيله حتى أشهروا سكاكينهم، في استعراض بائس لفنّ التقلب والانتهازية.




