يا ليت الذي مضى يعود

م-ص
عبارة “يا ليت الذي مضى يعود” تحمل في طياتها ذلك الحنين الدافئ الممتزج بمرارة الوعي بأن عجلة الزمن لا تدور إلى الوراء. هي جملة قصيرة، لكنها تكاد تختزل تجارب بشرية ممتدة، من فترات الطفولة التي كانت أبسط، إلى علاقات انطفأت شعلتها، إلى أماكن غادرناها أو غادرتنا.
حين ننطق بها، فإننا في الغالب لا نتمنى فقط عودة الزمن، بل عودة إحساس كنا نحمله ونحن نعيش تلك اللحظات؛ إحساس بالأمان، أو الحرية، أو البراءة، أو حتى الحماس الذي كان يلون أيامنا. كثيرون يحنّون لطفولة كانت بلا فواتير ولا التزامات، ولأصدقاء كانت ضحكاتهم تسبق همومهم، ولأيام كانت قلوبهم فيها خفيفة كأوراق الخريف في نسيم المساء. كانت مدينتنا يومها نظيفة، شوارعها تغتسل مع أول المطر، وأرصفتها تشهد لعب الأطفال بلا خوف. كانت القلوب نظيفة كالماء العذب، والنوايا بيضاء كصفحات لم تُكتب بعد، يصدق فيها الوعد، ويُحفظ فيها السر، ويُعطى فيها بلا انتظار المقابل.
لكن الحقيقة أن الزمن، بكل قسوته وجماله، يسير في خط واحد، ولا يملك الإنسان سوى أن ينظر إلى الوراء من نافذة الذاكرة. وهنا تكمن المفارقة: ما نتمنى عودته ليس هو نفسه لو عاد، لأننا نحن تغيّرنا، والزمان تغيّر، والوجوه تغيّرت، وحتى الأمكنة التي نحبها ربما لم تعد كما كانت.
ومع ذلك، يبقى الحنين قوة إنسانية عجيبة؛ فهو لا يعيد الماضي فعليًا، لكنه يحييه فينا، ويجعلنا نحمله كجوهرة مخبأة في جيب القلب، نخرجها بين حين وآخر لنتأملها، ثم نعيدها إلى مكانها، ونمضي. فلو كان الذي مضى يعود، ربما كنا سنكتشف أن جماله كان في كونه “مضى”، وأن قيمته في كونه لحظة فريدة لن تتكرر، لكنها ستظل تلهمنا ونقيس عليها الحاضر والمستقبل.
والأجمل أن نفهم أن الحنين ليس دعوة للبكاء على الأطلال فقط، بل فرصة لنتعلم كيف نصنع لحظات حاضرة تستحق أن نشتاق إليها غدًا، حتى لا نقول دائمًا: “يا ليت الذي مضى يعود”، بل نقول أيضًا: “الحمد لله أننا عشنا ما يستحق أن نتذكره”.





https://shorturl.fm/Ao3NP