سياسةمجتمع

يبيعون الحشيش لأبناء الشعب… ويمثلون الشعب في البرلمان: عجيب

ضربة قلم

من بين أعجب مفارقات المشهد السياسي المغربي أن يجلس بعض المنتخبين تحت قبة البرلمان، يرفعون شعارات الدفاع عن المواطن، وفي الوقت نفسه تلاحقهم أو تلاحق مقربيهم ملفات في قضايا الاتجار في المخدرات. كيف يمكن لإنسان يساهم في إغراق شباب الوطن بالسموم أن يُمنح شرف تمثيلهم؟ وكيف يمكن لمن يشتغل في السوق السوداء أن يحاضر في قبة البرلمان عن “القوانين” و”الأخلاق” و”الوطنية”؟

لسنا هنا نتحدث عن المنتخبين الذين تورطوا في تدبير سيّء للجماعات الترابية أو اختلاسات مالية أو تبذير للمال العام، فهؤلاء شأن آخر، ولا نتحدث عن “تجار البرد” الذين يستغلون مناصبهم لنيل امتيازات شخصية، ولا حتى عن الذين يمررون مصالحهم الخاصة باسم تمثيل الشعب. هؤلاء على كثرتهم يكفيهم ما يُقال عنهم يومياً، حيث الاستثناء يبقى حاضرا. حديثنا هذه المرة يتجاوز كل ذلك ليصل إلى مستوى أخطر: منتخبون متورطون بشكل مباشر أو غير مباشر في تجارة المخدرات.

الظاهرة ليست مجرد إشاعة أو كلام مقاهي، بل واقع سجّلته محاضر الضابطة القضائية، وأحكام صدرت في محاكم مختلفة، وأخبار تخرج بين الحين والآخر لتؤكد أن “رجل السياسة” قد يكون في الوقت ذاته “رجل تهريب”. وقد جرى أحياناً إيقاف منتخبين محليين أو برلمانيين متلبسين، أو على الأقل وردت أسماؤهم في شبكات التهريب التي تشتغل على طول السواحل الشمالية والشرقية.

المفارقة الكبرى أن هؤلاء لا يكتفون بجمع الأموال من تجارة السموم، بل يستثمرون جزءاً منها في الحملات الانتخابية، فيشترون الأصوات ويشترون الولاءات، ثم يضمنون مقعداً تحت قبة البرلمان أو رئاسة جماعة ترابية. وهكذا تتحول تجارة الحشيش إلى تجارة سياسية: المخدرات تموّل السياسة، والسياسة توفر الغطاء والحماية للمخدرات.

وليس من المبالغة القول إن بعض المناطق في المغرب، خاصة تلك التي تشتهر بزراعة الكيف أو تمرير المخدرات نحو الخارج، صارت تعرف ظاهرة “انتخاب البارونات”. الناس هناك يدركون تماماً من هم هؤلاء المرشحون، لكن منطق المال والعلاقات والتخويف يغلب في صناديق الاقتراع. والنتيجة: وجهاء المخدرات يصبحون “وجهاء سياسيين”.

والأخطر أن حضور هؤلاء تحت قبة البرلمان يمنحهم حصانة سياسية ورمزية، بل ويفتح أمامهم إمكانية التأثير على التشريعات أو تعطيل القوانين التي يمكن أن تضيق الخناق عليهم. أي أنهم يجلسون في موقع “صانع القانون” بينما هم في الأصل من كبار “مخالفي القانون”.

أليس هذا هو العجب بعينه؟ كيف لشاب مغربي بسيط يُضبط بحبة من المخدرات أن يجد نفسه وراء القضبان، بينما من يُغرق البلاد بأطنان من الحشيش يجلس في مقعد وثير ويخاطب الشعب بوجه واثق؟ أليس من الظلم أن يُحاكم الفقير بعقوبات صارمة، فيما يواصل الغني المتورط اللعب في السياسة والاقتصاد معاً؟

إنها صورة صادمة تختصر الكثير من أوجه الريع والفساد في بلادنا. صورة تُبرز كيف يتم التلاعب بثقة الشعب، وكيف يختلط المال القذر بالسياسة، وكيف يمكن أن تُختطف الديمقراطية من أساسها.

ما نحتاج إليه اليوم ليس فقط فضح هذه الحالات في الصحافة أو مواقع التواصل، بل إرادة سياسية وتشريعية قوية:

  • إلزامية التصريح بالممتلكات ومصادرها بدقة، مع مراقبة فعلية.

  • تشديد المساطر الانتخابية حتى لا يصل أصحاب السوابق أو المتورطون في قضايا الاتجار إلى البرلمان.

  • إعمال مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يعني أن أي منتخب يثبت تورطه في قضية مخدرات يفقد آلياً صفته التمثيلية.

  • تحصين المؤسسات من المال الفاسد الذي يمول الحملات الانتخابية.

وإلى أن يحدث ذلك، سيظل المواطن المغربي يردد بدهشة مرة:

كيف يُعقل أن يبيع البعض الحشيش لأبناء الشعب… ثم يمثلوا الشعب في البرلمان؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.