
عبد الإله بوسيف
رسائل من ألمانيا.. تكتب من هناك وتصل إلى هنا
إهداء
إلى ابني يحيى…
الذي سبقني إلى السماء، وترك في قلبي أثرًا لا يزول.
وإلى من غابوا عني، فتعلمت في غيابهم، كيف أبحث عن المعنى في ما تبقّى.
أنا يتيم الأبوين… ويتيم الأبناء…
لا لأن الحياة أفرغتني من الناس، بل لأنها علّمتني أن القرب، ليس دائمًا حضورًا، وأن الغياب ليس دائمًا رحيلًا.
أبي…
كان ظلًا واسعًا، لا يُسأل كيف يمتد، بل يُحسّ فقط.
وحين غاب، لم تغب الذكريات، بل حضر السؤال: كيف يمشي الإنسان، حين يختفي ظله؟
ومنذ ذلك اليوم، بدأت أتعلم المشي بنفسي، وأصنع من ضعفي سندًا، ومن الفراغ اتكاءً مؤقتًا.
وأمي…
كانت تفصيلًا بسيطًا يجعل الحياة ممكنة:
صباحًا دافئًا، صوتًا مألوفًا، حضورًا لا يحتاج إلى تفسير.
وحين غابت، لم يتغير البيت فقط، بل تغير الإحساس بالأشياء…
صار كل شيء كما هو، لكنه ليس كما كان.
أما الأبناء…
فهم الحلم حين يتقدمك، لا حين ينتظرك.
وحين يختل ترتيب الحياة، يصبح الصمت أثقل من الكلام،
وتصير الذكريات مساحة يعيش فيها القلب أكثر مما يعيش في الواقع.
ولا حاجة لكثرة القول هنا…
يكفي أن بعض الغياب لا يُشرح، بل يُحمل.
أما الإخوة…
فهم درس آخر:
أن المسافة ليست دائمًا طريقًا،
بل قد تكون صمتًا طويلاً بين قلبين.
كبرت حين فهمت أن الإنسان، قد يكون بين الناس…
ولا يجد نفسه بينهم.
وأن الوحدة ليست في قلة الوجوه،
بل في غياب المعنى.
وحين ضاقت الدوائر،
لم أبحث بعيدًا…
وجدت الوطن.
فيه شيء لا يخذل:
هواء يشبه الطمأنينة،
وأرض لا تسأل لماذا تتعب،
وصمت يفهم أكثر من الكلام.
ثم وجدت يدًا لم تغب…
زوجتي.
رفيقة الطريق حين يثقل،
والمعنى حين يبهت،
والهدوء حين تضيق الأشياء.
اليوم،
لا أقول إنني فقدت كل شيء…
بل أقول إنني تعلمت كيف أرى ما بقي.
أنا يتيم في بعض المعاني،
لكنني لست وحيدًا.
وهذا… يكفي




