الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

يرحل من نحب… فنكتشف أن الحياة كانت تمثيلية بلا نص حقيقي

ضربة قلم

عندما نودع أحد الأحبة إلى الأبد، لا نرثي فقط غيابه، بل نرثي جزءًا منا يرحل معه. لا يهم إن كان أبًا أو أمًا أو زوجا أو زوجة أو أخًا أو أختًا أو جارا أو جارة أو صديقًا رافقك في دروب الحياة، أو زميلاً تقاسمت معه لحظات العمل والهمّ والقهقهات، فالفقد لا يصنف القلوب حسب صلة الدم أو دفتر الحالة المدنية. الفقد يختار أن يصفعك حيث لا تتوقع، في القلب مباشرة، دون سابق إنذار أو تهيئة.

يمضي الراحل ويتركك في صمت مربك، صمت لا تملؤه الكلمات ولا العزاءات الجاهزة ولا حتى الدموع. ثم، وأنت تغالب نفسك كي تُقنعها أن ما حدث هو “القدر”، تكتشف فجأة أن الحياة لم تكن يومًا كما كنت تظن، بل كانت وما زالت كذبة محبوكة بإتقان، نركض فيها وراء الأمنيات، نلهث خلف الأوهام، نبني علاقات ونعلّق قلوبنا على بشر، ونحن نعلم في قرارة أنفسنا أنهم قد يرحلون في أي لحظة.

حين يغيب من تحب، ترى الدنيا بلا طعم، بلا لون، بلا صوت. حتى الأشياء الصغيرة التي كنت تفرح بها تبدو سخيفة فجأة، وحتى الكلام الذي كنت تجده عزاءً صار ثقيلًا على اللسان. لا شيء يُقنعك، لا منطق، ولا فلسفة، ولا دين، ولا حكمة. تحاول أن تبتسم كي لا تُقلق من حولك، لكن داخلك ينهار رويدًا رويدًا. لا تصرخ، لا تبكي أمام الجميع، فقط تغلق باب غرفتك وتبدأ حوارًا صامتًا مع الغياب، مع الغدر، مع القدر الذي خطف منك إنسانًا لم تكن مستعدًا لوداعه.

وتكتشف أن الحياة تمضي، نعم، لكنها تمضي ببلادة. تمضي دون أن تسألك إن كنت بخير، دون أن تنتظر منك إشارة لتكمل سيرها. وتتعلم، رغمًا عنك، أن من تحب يمكن أن يصبح “ذكرى”، وأن الصور التي كنتم تضحكون فيها ستتحول إلى متاحف شخصية تعلقها في الذاكرة، وتخاف عليها من غبار النسيان.

أسوأ ما في الفقد، أنه لا يقتلك دفعة واحدة، بل يقتطع منك قطعة صغيرة كل يوم. وكلما مرّ الوقت، توهمت أنك تعافت، حتى يأتي يوم عادي، فيه عطر، أو أغنية، أو مشهد، ليوقظ الجرح من سباته ويخبرك أنك ما زلت تنزف.

الفقد لا يُنسى، لا يُداوى، لا يُبرر. هو امتحان لا نعرف متى سينتهي، ولا إن كنا سننجح فيه. نكمل حياتنا لا لأننا أقوياء، بل لأننا مضطرون. نبتسم أحيانًا ليس لأننا بخير، بل لأننا تعبنا من الحزن. نمضي، نحاول، نحب من جديد، لكن شيئًا فينا يبقى معلقًا عند ذاك الراحل الذي أخذ معه أكثر مما يبدو. أخذ معه تلك البراءة التي كنا نظن أن الحياة ستبقى بها عادلة.

وعندها فقط، تدرك الحقيقة المرّة: الحياة ليست عادلة، لم تكن يومًا كذلك. هي فقط كذبة متقنة نعيشها ونحن نُمنّي النفس بأن القادم أفضل، حتى يُفاجئنا القادم بأنه أسوأ من كل التوقعات.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.