يسقط الجواد… لكن القلب الأصيل لا يتعلم الحقد

م-ص
هناك خيولٌ لا تُقاس سرعتها فقط، بل يُقاس معدنها حين تتعثر… حين تزلّ حوافرها في طريقٍ غير ممهد، أو تصطدم بصخور لم تكن في الحسبان. الجواد الأصيل ليس ذاك الذي لا يسقط، بل ذاك الذي يعرف كيف ينهض، كيف ينفض غبار السقوط عن كبريائه، ويستعيد توازنه دون أن يفقد روحه.
في لحظة التعثر، لا يسمع الجواد صهيل الإحباط، بل يسمع نداء الطريق… ذلك الطريق الذي لم يُخلق ليُترك، بل ليُكمل. ينهض، وربما الألم يسكن مفاصله، وربما الجرح لم يندمل بعد، لكنه يمضي… لأن في داخله يقينٌ لا يُكسر، بأن السقوط محطة، لا نهاية.
وهكذا هو القلب الكبير… القلب الصافي، الذي لم يتعلم القسوة، رغم كثرة ما تلقى من ضربات. يتألم، نعم… يتوجع بصمت، نعم… لكنه لا يتلوث. يبقى كما هو، شفافًا كنبع ماء، لا يعكر صفوه حجر عابر، ولا تغيّره عواصف البشر.
هذا القلب لا يعرف الحقد، ليس لأنه لم يُظلم، بل لأنه مُحصّن ضده… كأنه لُقّح بنقاءٍ لا يسمح للسم، أن يسري فيه. يُخذل، فيغفر. يُجرح، فيصبر. يُطعن، فيواصل الطريق دون أن يحمل خنجراً في روحه.
قد يراه البعض ضعفًا، لكنه في الحقيقة أقسى أنواع القوة… قوة أن تبقى نفسك، رغم كل شيء. أن لا تتحول إلى نسخة مشوهة من أولئك الذين آذوك. أن تواصل المشي، بقلبٍ لم ينكسر رغم أنه تألم كثيرًا.
الجواد الأصيل حين ينهض، لا يلتفت كثيرًا إلى الخلف… والقلب النقي حين يتألم، لا يبني جدرانًا حوله. كلاهما يختار الطريق، لا لأن الطريق سهل، بل لأنه الطريق الصحيح.
وهنا تكمن الحكاية… ليست في التعثر، بل في النهوض. ليست في الألم، بل في القدرة على الاستمرار دون أن تفقد إنسانيتك. لأن أعظم الانتصارات، ليست تلك التي نحققها على الآخرين، بل تلك التي نحققها على أنفسنا… حين نرفض أن نصبح قساة، رغم كل ما مر بنا.
وهكذا يمضي الجواد… وهكذا يمضي القلب.




