مجتمع

يونيو… موسم الحصاد التربوي ومهرجان الأعصاب المفتوحة!

ضربة قلم

يونيو… شهر يتحول فيه التلميذ المغربي من كائن عادي إلى مشروع صوفي غارق في التأمل والقلق الوجودي. شهر الامتحانات بامتياز، حيث تتحول البيوت إلى مخيمات طوارئ تربوية، والأمهات إلى قادة كتائب تعليمية مدججات بكتب المراجعة، والآباء إلى خبراء استراتيجيات لا يعرفون في الغالب أين تقع الصفحة الأولى من كتاب الاجتماعيات، لكنهم يتحدثون بثقة مفرطة عن أهمية “التركيز”. وفي قلب هذه المعمعة، تجد التلميذ المسكين، عالقًا بين أربعة امتحانات: محلي، جهوي، وطني، وأخيرًا – وليس آخرًا – امتحان القدرة على تحمل هذه المهزلة دون انهيار عصبي.

نبدأ بـالامتحان المحلي، ذلك التمرين البسيط في الظاهر، والذي يشبه تقديم الشوربة قبل دخولك إلى مباراة ملاكمة. لا أحد يهتم به كثيرًا، لكن الوزارة تصر على أنه ضروري لاستكمال “المسار التربوي” كأننا في سباق ماراثون رسمي. بعدها يأتي الجهوي، الامتحان الذي يدعي البعض أنه مجرد “بروفة”، لكنه في الواقع كابوس متوسط الحجم يُفاجئ التلاميذ بأسئلة من كواكب مجهولة، وكأن المصحح يتحداك شخصيًا في مبارزة معرفية بلا قواعد.

ثم نصل إلى الامتحان الوطني، القمة التراجيدية في هذا العرض المسرحي، حيث يُستدعى كل ما درسته، وكل ما لم تدرسه، وكل ما لم تسمع به من قبل، ليحضر في الورقة بطريقة لا يفهمها أحد سوى الأستاذ الذي صاغ السؤال، أو ربما لا يفهمها حتى هو. التلميذ هنا يصبح بطلًا قوميًا، لا لأنه ينجح، بل لأنه نجا أصلًا من التجربة. والبيت كله يصبح مثل غرفة عمليات: الأم تصرخ “فطّر مزيان”، الأب يسأل “درتي راسك مزيان؟”، والكل ينتظر النتيجة وكأنها قرعة كأس العالم.

وفي النهاية، تعود إلى الامتحان المحلي مرة أخرى، فقط لتتأكد أنك لم تحلم بكل ذلك، وأنك بالفعل عشت هذه السلسلة من العذابات التربوية. هو مجرد امتحان بسيط آخر، لكنه يأتي كصفعة أخيرة لتذكيرك بأن مسلسل المعاناة لم ينته بعد.

أما الوزارة، فحدث ولا حرج. هناك في المبنى الضخم الذي يشبه قلعة من الزمن الاستعماري، يتحكم في دواليبها “مسامير المائدة”، تلك الكائنات الغريبة التي لا نعرف لها اسمًا ولا وجهًا، لكنها حاضرة، نافذة، تقرر وتُخطط وتُبرمج وكأن التعليم مجرد لعبة مونوبولي. لا أحد يحاسبهم، لا أحد يراهم، لكنهم موجودون… مثل الرطوبة في بيت قديم، لا تُرى لكنها تُفسد كل شيء.

نرجو من الله، ومن لجنة ما في ركن ما من الوزارة، أن يستفيقوا، ويحرروا التعليم من قبضة هذه الأشباح البيروقراطية. أن يعيدوا النظر في هذه المناهج التي تبدو أحيانًا وكأنها كُتبت تحت تأثير مهدئات عقلية أو في لحظة تأمل صوفي لا علاقة لها بالواقع. نريد تعليمًا يُعد التلميذ للحياة، لا لجلسة استجواب. نريد مناهج تحترم ذكاء المتعلم، لا تُراهن على قدرته على الحفظ كآلة. نريد امتحانًا واحدًا واضحًا، لا أربعة اختبارات تسلب الروح وتستهلك الأعصاب.

لكن، إلى أن يحصل هذا الحلم، سيظل يونيو هو الشهر الذي لا يُنسى. شهر الدموع الصامتة، والقهوة المُرّة، وصفحات المقرر التي تُقلب دون أن تُفهم. شهر تتوحد فيه أسر المغرب على هدف واحد: ربي يْدوز دّاِك الشي بخير… ويفكنا من مسامير المائدة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.