الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

من الحكواتي إلى المسؤول: درس قديم في معنى التنمية

محمد صابر

تؤرخ هذه الصورة لسنة 1998، سنة كانت فيها البلاد تعيش مخاضًا فكريًا وسياسيًا، حول مفهوم التنمية، وحدود الجهوية، ومعنى أن تنتقل الشعارات من الأوراق إلى الأرض. في تلك السنة، تلقيت دعوة من جهة مراكش-تانسيفت-الحوز آنذاك، للمشاركة كمتدخل في يوم دراسي خُصص لموضوع «تحديات التنمية الجهوية»، إلى جانب زميل ثانٍ من خارج مراكش. كانت الدعوة في ظاهرها، نشاطًا علميًا، لكنها في عمقها، كانت اختبارًا حقيقيًا، للصدق في الخطاب، ولمدى قدرتنا على الربط بين ما يُقال في القاعات، وما يُعاش في الأزقة والأسواق والبوادي.

دخلت القاعة وأنا أحمل أكثر من ورقة في ذهني، وأكثر من سؤال في صدري: هل نحن أمام لحظة تفكير جماعي حقيقي؟ أم أننا سنكتفي بتكرار العناوين العريضة نفسها التي تتغير ألفاظها ولا يتغير مضمونها؟ وحين جاء دوري في التدخل، اخترت أن تكون مداخلتي مرتجلة، لكنها مرتبة في منطقها، نابعة من قناعة بسيطة: مادام اللقاء يُعقد في عاصمة النخيل، فلا معنى للكلام إن لم يُثمر. فكما أن النخلة، لا تُقاس بجذعها بل بثمرها، فإن الندوات لا تُقاس بعدد الكلمات، التي تُقال فيها، بل بعدد الأفكار، التي تتحول إلى مشاريع، وبعدد التوصيات التي تجد طريقها إلى الواقع.

قلت يومها، وأكرر اليوم بعد مرور سنوات طويلة، إن التنمية ليست ملفًا تقنيًا فقط، بل هي أولًا امتحان أخلاقي. لا معنى لخطاب جهوي جميل، إذا لم يكن مسنودًا بإرادة سياسية نظيفة، ولا قيمة للأرقام، إذا لم يشعر بها المواطن في خبزه اليومي، وفي مدرسته، وفي مستشفاه، وفي كرامته وهو يقف أمام الإدارة. التنمية لا تُقاس بعدد الشعارات المعلقة على الجدران، بل بعدد العيون التي تتوقف عن البكاء في صمت.

وتوقفت في مداخلتي عند دور الصحافة والسياسة معًا، لأن الكلمة -حين تكون مسؤولة- ليست أقل شأنًا من القرار. قلت بوضوح إن الصحفي الذي يحترم قلمه، والسياسي الذي يخاف على ماء وجهه، يجب ألا يتحولا إلى مجرد “حكواتيين”، مع كامل الاحترام لهذا الفن الشعبي العريق. فالحكواتي يروي ليُمتع، أما الصحفي والسياسي، فيفترض أن يقولا ليُغيّرا. الحكواتي يطيل الحديث ليصنع الدهشة، أما صاحب المسؤولية، فيجب أن يختصر الكلام ليصنع الفعل.

وحذرت من آفة الكلام الذي لا يُصدَّق، ومن الخطب التي لا يؤمن أصحابها بما يقولون. فحين يصبح الخطاب مجرد تمرين لغوي، تنفصل اللغة عن الواقع، وتتحول الندوات إلى طقوس موسمية، لا تختلف كثيرًا عن الاحتفالات الشكلية. أخطر ما يمكن أن يصيب التنمية، هو أن تتحول إلى مادة بلاغية، بدل أن تبقى مشروعًا اجتماعيًا.

وفي لحظة صراحة، قلت جملة ما زلت أعتبرها خلاصة فلسفة كاملة في الحياة العامة: الفقير الذي يحترم نفسه أغنى من الميسور الذي جمع ويجمع أموالًا طائرة، وهو يفتقر إلى نظافة اليد. فالغنى الحقيقي ليس في الرصيد البنكي، بل في القدرة على النظر إلى المرآة دون خجل. والكرامة ليست في المنصب، بل في الطريق التي وصل بها الإنسان إليه. وقد يكون المرء فقير الجيب، لكنه غني الضمير، وقد يكون ممتلئ الجيوب، لكنه مفلس أخلاقيًا.

ذلك اليوم الدراسي، لم يكن بالنسبة لي مجرد مشاركة عابرة، بل كان لحظة مواجهة بين ما نريده نظريًا وما نخشاه عمليًا. مواجهة بين التنمية كفكرة جميلة، والتنمية كواقع معقّد، تحكمه المصالح والتوازنات والصراعات الخفية. ومنذ ذلك التاريخ، وأنا مقتنع بأن الجهوية الحقيقية، لا تبدأ من الخرائط الإدارية، بل من إعادة الاعتبار للإنسان في قلب المشروع التنموي.

واليوم، بعد مرور أكثر من ربع قرن على تلك الصورة، أستعيدها لا بدافع الحنين فقط، بل بدافع السؤال: ماذا تحقق مما قيل؟ وكم من التوصيات بقيت حبيسة الأوراق؟ وكم من الوعود ذابت في حرارة الواقع؟ ليست الغاية من استحضار الماضي تمجيده، بل مساءلته، لأن الأمم التي لا تحاسب ذاكرتها، محكوم عليها بتكرار أخطائها.

هذه الصورة، ليست مجرد وثيقة زمنية، بل شاهد على مرحلة، كان فيها الأمل أكبر من الإمكانيات، وكان النقاش أوسع من الأدوات. وهي تذكير بأن التنمية، ليست حدثًا عابرًا، بل مسار طويل، يحتاج إلى صدق في النية، ونظافة في اليد، وشجاعة في الكلمة. فالكلام وحده لا يصنع الطرق، ولا يبني المدارس، ولا يشفي المرضى، لكنه قد يكون بداية الطريق، إذا خرج من فم يؤمن به، وعقل مستعد لتحويله إلى فعل.

وهكذا تبقى تلك اللحظة، بكل ما حملته من نقاش وحلم ونقد، درسًا بسيطًا وعميقًا في آن واحد: أن التنمية ليست مسألة تقنية فقط، بل امتحان أخلاقي يومي، وأن الفرق بين الحكواتي والمسؤول، ليس في طول الحديث، بل في صدق المقصد، وفي ما يبقى بعد أن ينتهي التصفيق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.