
بقلم: سمية بنسالم
رغم أن الدبلوماسي السابق محمد سلاوي وضع إصبعه على الجرح في مقاله المنشور على “ضربة قلم” “حين تنتصر الحقائق بصمت.. هل حان الوقت أن يتكلم المغرب؟”، فإن ما جاء فيه، لا يجب أن يُقرأ كمجرد تحليل هادئ، بل كتحذير صريح من مرحلة لم يعد فيها الصمت فضيلة. فالرجل لم يكن يبالغ، بل كان يختصر واقعًا مقلقًا: المغرب يحقق الانتصارات، نعم، لكنه يترك الآخرين يسرقون رواية هذه الانتصارات، دون مقاومة تذكر. وهذا، في عالم اليوم، ليس تواضعًا دبلوماسيًا… بل مخاطرة مفتوحة.
المغرب لا يعاني من ضعف في الموقف، ولا من هشاشة في الحجة، ولا من عزلة دبلوماسية، كما يروّج البعض. بل على العكس، هو اليوم في موقع قوة حقيقي، تؤكده التحولات الدولية المتلاحقة، وليس مجرد شعار للاستهلاك الداخلي. لكن، وهنا مكمن الخلل، تُدار هذه القوة بصمت مفرط، يكاد يتحول من اختيار إلى عبء. صمت يفتح المجال واسعًا أمام جيران لا يملكون من أدوات التأثير سوى الضجيج، يملؤون به الفراغ مثل دلو فارغ يُحدث جلبة، أكثر مما يحمل مضمونًا.
نعم، الجيران. أولئك الذين استثمروا لعقود في “صناعة الوهم”، حتى صاروا يصدقونه. لا مشروع لديهم سوى معاداة المغرب، ولا أفق سوى إطالة عمر نزاع يقتاتون منه سياسيًا وإعلاميًا. ميزانيات ضخمة تُهدر، لا لبناء الداخل، بل لتمويل خطاب متآكل، يعاد تدويره كل سنة، بنفس الشعارات البالية، ونفس الأسطوانة المشروخة.
لكن، لنكن منصفين: المشكلة ليست فيهم فقط. المشكلة أيضًا فينا… حين نترك لهم المساحة.
حين يختار المغرب الصمت، فهو لا يمارس حكمة دبلوماسية، بقدر ما يقدّم هدية مجانية لخصومه. لأن هؤلاء لا يحتاجون إلى الحقيقة، بل إلى الفراغ. وحين يجدونه، يملؤونه بما يشاؤون، دون حسيب ولا رقيب.
أي منطق هذا الذي يجعلنا نحقق اختراقات دبلوماسية وازنة، ثم نكتفي بالتفرج عليها، وهي تمر مرور الكرام في الإعلام الدولي؟
أي عقل يقبل أن تُبنى مواقف دولية داعمة، دون أن تتحول إلى رأي عام عالمي ضاغط؟
وأي تبرير ،يمكن أن يُقنعنا بأن الصمت لا يزال خيارًا، في زمن أصبحت فيه الرواية أقوى من الواقعة؟
الواقع أبسط مما يبدو: الجار الشرقي لا يربح المعركة، لكنه ينجح في إرباكها. لا يعتمد على قوة الحجة، بل على كثافة الضجيج؛ يكرر، يصرخ، ويملأ الفضاء بخطاب متواصل، حتى يفرض حضوره كـ“باطل يُراد به حق”، لا كحقيقة. وفي المقابل، يكتفي المغرب، بكل ثقله، بدور المتفرج الواثق… ثقة زائدة تترك الساحة مفتوحة، أكثر مما ينبغي.
وهنا تكمن الخطورة.
لأن المعركة اليوم لم تعد فقط في الأمم المتحدة، أو في الكواليس الدبلوماسية، بل في العقول. في الجامعات. في مراكز البحث. في الإعلام الدولي. في كل مكان تُصنع فيه الصورة، ويتشكل فيه الوعي.
وإذا كان المغرب قد ربح الكثير بصمته، فإن الاستمرار في نفس النهج، قد يجعله يخسر ما لا يجب أن يُخسر: وضوح الرواية.
لنقلها بجرأة: لا يعقل أن تبقى وكالة إخبارية رسمية في موقع رد الفعل، بينما تُشن حملات منظمة، ضد وحدة البلاد. لا يعقل أن تبقى النخب صامتة، والجامعات غائبة، والمجتمع المدني خارج المعركة، وكأن القضية لا تعنيهم.
الأمر لم يعد يحتمل هذا التراخي.
نحن أمام خصم لا ينام، لا يمل، ولا يخجل من تكرار نفس الأكاذيب آلاف المرات. فكيف نواجهه؟ بالصمت؟ بالبلاغات الباردة؟ أم بانتظار أن “تفهم” الحقيقة طريقها وحدها؟
هذا وهم.
الحقيقة اليوم تحتاج من يدافع عنها، يشرحها، يكررها، ويجعلها حاضرة في كل نقاش. لأن الغياب لا يُفسَّر حيادًا، بل يُقرأ ضعفًا.
ومن هنا، فإن ما جاء في المقال السابق ليس مجرد دعوة، بل ضرورة: المغرب مطالب اليوم بأن يتكلم… بقوة، بثقة، وبدون تردد.
ليس المطلوب التخلي عن الدبلوماسية الهادئة، بل تحريرها من صمتها المبالغ فيه. المطلوب هو الجمع بين الفعل والتأثير، بين الإنجاز والسردية، بين العمل في الكواليس والحضور في الواجهة.
لقد تغيّر الزمن، ومن لم يتغير معه… سيتجاوزه.
والرسالة الأوضح، التي يبدو أن البعض لم يستوعبها بعد، هي أن الجيران لا يفهمون لغة الصمت. هم لا يقرؤون الإشارات، ولا يحترمون التوازنات، بل يتحركون فقط، حين يجدون من يواجههم بنفس السلاح: الحضور، التكرار، والجرأة.
أما الاستمرار في الصمت، فهو ببساطة… لعب خارج الزمن.
اليوم، المغرب أمام فرصة تاريخية، لحسم ملف طال أكثر مما ينبغي. كل المعطيات في صالحه. كل المؤشرات تؤكد ذلك. لكن الحسم لا يتم فقط في الغرف المغلقة، بل أيضًا في الفضاء المفتوح.
إما أن نفرض روايتنا… أو تُفرض علينا روايات الآخرين.
ولا أحد يمكنه الادعاء بعد الآن، أنه لم يكن يعلم.

