18 يناير… موعد مغربي مع التاريخ الإفريقي

العربي أزعارة
ونحن نعيش اليوم السبت 17 يناير، على بُعد ساعات قليلة من الأحد 18 يناير، الموعد الذي تتجه فيه أنظار القارة الإفريقية، بل وقطاع واسع من العالم الكروي، نحو المغرب، حيث يُحتضن النهائي الكبير لكأس أمم إفريقيا في نسختها الحالية، وتحديدًا المواجهة المرتقبة بين المنتخب الوطني المغربي ونظيره السنغالي، يصبح من الصعب قراءة هذا الحدث بمعزل عن الذاكرة القريبة، أو عن السياق الزمني والرمزي الذي يرافقه.
هذا النهائي لا يأتي في فراغ. إنه يحلّ محمّلًا بإرث حديث من الإنجازات، وضمن زمن اكتسب دلالات خاصة في الوجدان الكروي المغربي. فبمجرد ذكر الموعد، يعود الذهن تلقائيًا إلى سنة 2025، تلك السنة الاستثنائية بكل المقاييس، التي دشّن خلالها المغرب مرحلة جديدة عنوانها: الثقة، الجرأة، والتتويج المستحق.
في السنة الماضية، وهي نفسها السنة التي انطلقت خلالها منافسات هذه النسخة من كأس أمم إفريقيا، نجح المنتخب الوطني المغربي في التتويج بلقب كأس العرب، في محطة ستظل راسخة في الذاكرة الجماعية. بطولة احتضنتها قطر ما بين فاتح و18 دجنبر 2025، واختُتمت بتتويج مغربي مستحق بعد فوز مثير على المنتخب الأردني بثلاثة أهداف مقابل هدفين، في نهائي احتضنه ملعب “لوسيل” المونديالي.
ذلك التتويج لم يكن عاديًا، لا من حيث السيناريو ولا من حيث الظروف. مباراة نهائية لُعبت تحت زخات المطر، وفي أجواء مشحونة بالترقب والتوتر، خاصة بعد تأجيل مباراة تحديد المركز الثالث بسبب الأمطار الغزيرة. ورغم كل ذلك، دخل المنتخب المغربي اللقاء بعقلية البطل، وبإصرار لا يلين، مؤكّدًا مرة أخرى أن المنتخبات الكبيرة تُقاس بقدرتها على التعامل مع التفاصيل الصغيرة قبل العناوين الكبرى.
صافرة الحكم السويدي غلين نايبرغ، أحد أبرز حكام أوروبا، لم تكن مجرد إعلان عن بداية مباراة، بل كانت إيذانًا بلحظة سيادية كروية مغربية، تُرجمت فوق العشب إلى أداء قتالي وانتصار منح الجماهير المغربية والعربية لحظة فخر جماعي، ورسّخ قناعة راسخة: المنتخب الوطني لم يعد يشارك فقط، بل بات ينافس ويتوّج.
ولأن الإنجازات لا تأتي منفصلة، جاءت الضربة الثانية، الأكثر رمزية وعمقًا، عبر منتخب أقل من 20 سنة، الذي كتب اسمه بأحرف من ذهب في سجل كرة القدم العالمية، حين تُوّج بلقب كأس العالم 2025. يوم 19 أكتوبر، في العاصمة التشيلية سانتياغو، وقف العالم ليشاهد منتخبًا شابًا، واثقًا ومتوازنًا، يهزم الأرجنتين في النهائي بهدفين دون رد، ويمنح المغرب أول لقب عالمي في فئة الشباب.
ذلك التتويج لم يكن مجرد انتصار تقني أو تكتيكي، بل إعلانًا صريحًا عن نجاح مشروع طويل النفس، ورؤية واضحة جعلت من التكوين قاعدة، ومن الاستمرارية منهجًا. كما منح الكرة المغربية بعدًا جديدًا، عنوانه الاطمئنان إلى المستقبل، لا الاكتفاء بالوعود.
وهنا، تتقاطع التواريخ بشكل لافت:
18 و19… يومان تحولا إلى ما يشبه “فأل الخير” في المخيال الكروي المغربي.
18 دجنبر: تتويج عربي.
19 أكتوبر: تتويج عالمي.
18 يناير: نهائي إفريقي على الأرض المغربية.
إنه تتابع زمني يصعب عزله عن الإحساس العام، بأن الكرة المغربية، تعيش لحظة تاريخية متكاملة، لحظة يلتقي فيها الماضي القريب بالحاضر، ليمنحا معًا دفعة قوية نحو المستقبل.
مباراة النهائي أمام السنغال، إذن، ليست مجرد تسعين دقيقة، ولا مجرد كأس جديدة تُضاف إلى الخزانة، بل هي اختبار حقيقي للهوية الكروية الجديدة للمغرب:
هوية تؤمن بالانتصار، تستند إلى عمق بشري، وتشتغل بمنطق المشروع لا الصدفة.
المنتخب السنغالي خصم قوي وعنيد، ويملك بدوره تجربة قارية محترمة، غير أن المغرب يدخل هذا النهائي محاطًا بزخم جماهيري غير مسبوق، وبثقة تراكمت عبر الإنجازات، وبوعي جماعي بأن اللحظة مواتية لصناعة تاريخ جديد… على أرض الوطن.
وفي النهاية، يبدو المشهد واضحًا:
المغرب لم يعد ينتظر المجد…
بل صار المجد هو من يطرق بابه، في اليوم 18، كما فعل من قبل في اليوم 19.




