
ضربة قلم
انطلق الدوري الاحترافي المغربي للموسم الماضي يوم الجمعة 12 شتنبر 2025، في موعد لم يكن يلامس بشكل مباشر أجواء الاستحقاقات الانتخابية.
أما هذا الموسم، فالحكاية مختلفة قليلاً.
الدوري الاحترافي سينطلق يوم الخميس 24 شتنبر 2026، أي يوماً واحداً فقط بعد إجراء الانتخابات التشريعية المقررة يوم الأربعاء 23 شتنبر.
قد يقول قائل: مجرد صدفة في الروزنامة الرياضية.
وقد يقول آخر: لا ينبغي أن نبحث عن السياسة في كل شيء.
وهذا صحيح.
لكن عندما تتزامن مباراة الصندوق مع بداية موسم كروي جديد، وعندما يكون رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم نفسه حاضراً في المشهد السياسي والحزبي، فإن السؤال يصبح مشروعاً، حتى وإن لم تكن لدينا إجابة جاهزة.
هل نحن أمام مجرد تزامن بين روزنامة انتخابية وروزنامة رياضية؟ أم أن هناك ما يستحق أن نتوقف عنده قليلاً؟
فوزي لقجع ليس مجرد رئيس لجامعة كرة القدم.
الرجل أصبح، خلال السنوات الأخيرة، واحداً من أكثر الأسماء حضوراً وتأثيراً في المشهد الرياضي المغربي، قبل أن يحط الرحال أيضاً في فضاء العمل السياسي والحزبي، الأمر الذي جعل موقعه أكثر حساسية، وفتح عليه باباً واسعاً من الانتقادات والتساؤلات.
وهنا بالضبط تبرز الإشكالية.
كرة القدم في المغرب، لم تعد مجرد 22 لاعباً يركضون خلف كرة.
كرة القدم أصبحت صناعة، وجماهير، وتأثيراً اجتماعياً، وواجهة وطنية، ومجالاً يحظى بمتابعة الملايين.
ومن الطبيعي، في أي بلد، أن تظل العلاقة بين الرياضة والسياسة موضوعاً يحتاج إلى الكثير من الحذر، خصوصاً عندما يجتمع النفوذ الرياضي بالحضور السياسي في شخص واحد.
هل معنى ذلك، أن انطلاق الدوري مباشرة بعد الانتخابات، له علاقة بالسياسة؟
لا أحد يستطيع أن يقول ذلك دون دليل.
وهل هناك ما يثبت أن موعد 24 شتنبر، اختير حتى لا تتحول كرة القدم إلى أداة انتخابية؟
أيضاً، لا نملك ما يثبت ذلك.
لكن السؤال الصحفي، لا يحتاج دائماً إلى جواب جاهز؛ أحياناً تكون قيمته في أنه يفتح النقاش.
فلو كان الدوري سينطلق بعد أسبوع أو أسبوعين من الانتخابات، ربما لم يكن الأمر، ليستوقف أحداً.
أما أن نضع الصندوق يوم 23 شتنبر، والملعب يوم 24 شتنبر، فهنا تصبح المصادفة الزمنية لافتة للنظر.
يوم 23 شتنبر، المواطن أمام صندوق الاقتراع.
سيختار مرشحه، وسيمنح صوته للحزب الذي يراه أقرب إلى انتظاراته، أو قد يختار ببساطة ألا يمنح ثقته لأحد.
وفي اليوم الموالي، 24 شتنبر، سيعود المواطن نفسه إلى المدرجات أو إلى شاشة التلفزيون، ولكن هذه المرة لمتابعة مباراة كرة القدم.
في الانتخابات، هناك جمهور.
وفي كرة القدم، هناك جمهور.
في الانتخابات، هناك شعارات ووعود.
وفي كرة القدم، هناك شعارات وقمصان ووعود أيضاً.
في الانتخابات، تبدأ المحاسبة بعد ظهور النتائج.
وفي كرة القدم، يبدأ الحساب منذ صافرة البداية.
والفارق أن الناخب يمنح السياسي فرصة لخمس سنوات، بينما المشجع، قد لا يمنح فريقه حتى خمس مباريات، إذا شعر أن النتائج لا تليق بالوعود!
وهنا تكمن المفارقة الجميلة في هذه الروزنامة.
المغربي سيخرج من الصندوق إلى الملعب في ظرف أربع وعشرين ساعة فقط.
من اختيار من سيمثله في البرلمان…
إلى اختيار من سيشجعه في المدرجات.
لكن هناك سؤالاً آخر أكثر عمقاً:
هل يمكن لكرة القدم، بحجمها الشعبي والجماهيري، أن تبقى دائماً بعيدة عن التجاذبات السياسية؟
نحن لا نقول إن كرة القدم، تُستعمل سياسياً.
ولا نقول إن توقيت انطلاق الدوري، مرتبط بالانتخابات.
ولا نقول إن هناك جهة ما، تخشى استغلال الملاعب، والجماهير في السياسة.
كل هذه استنتاجات تحتاج إلى أدلة.
لكننا نقول شيئاً واحداً:
عندما يصبح رئيس أكبر مؤسسة كروية في البلاد فاعلاً في المجال السياسي، يصبح الفصل بين المجالين أكثر حساسية، ويصبح من حق الرأي العام أن يطرح الأسئلة.
فالرياضة، يجب أن تبقى رياضة.
والانتخابات، يجب أن تبقى انتخابات.
والملعب، يجب أن يظل ملعباً.
والصندوق، يجب أن يظل صندوقاً.
أما المواطن، فمن حقه أن يشاهد مباراة، دون أن يشعر أن وراءها رسالة انتخابية، وأن يذهب إلى صندوق الاقتراع، دون أن يجد كرة القدم، قد سبقت إليه.
وفي النهاية، قد يكون كل ما في الأمر مجرد مصادفة بريئة في الروزنامة.
وقد تكون مجرد برمجة رياضية، لا علاقة لها إطلاقاً بالاستحقاق الانتخابي.
لكن في زمن أصبحت فيه كرة القدم، قوة ناعمة حقيقية، وأصبح فيها بعض رجال الرياضة، حاضرين بقوة في السياسة، فإن طرح السؤال ليس جريمة، ولا اتهاماً، ولا مؤامرة.
إنه فقط سؤال مشروع:
هل يفصل يوم واحد بين الانتخابات والدوري، لأن الروزنامة قالت ذلك؟
أم أن هذا اليوم الواحد، يفتح لنا نقاشاً أكبر حول العلاقة بين السياسة وكرة القدم في المغرب؟
في 23 شتنبر…
الصندوق هو الحكم.
وفي 24 شتنبر…
الملعب هو الحكم.
وبين الحكمين، يبقى المواطن هو نفسه المواطن…
مرة يحمل ورقة الاقتراع، ومرة يحمل قميص فريقه.
أما الحساب؟
فذلك لا يتوقف لا في السياسة… ولا في كرة القدم.




