30 شابًا ابتلعهم البحر أم ابتلعهم الصمت؟! قراءة في بلاغ جديد للجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالمحمدية حول مفقودي 15 يوليوز

ضربة قلم
هناك أخبار تمرّ أمامنا، كأنها مجرد سطور عابرة…
خبر عن قارب أبحر.
خبر عن شباب قرروا الهجرة غير النظامية.
خبر عن أشخاص انقطعت أخبارهم.
ثم ننتقل إلى خبر آخر، وكأن الأمر انتهى.
لكن بالنسبة إلى أم تنتظر ابنها، وأب لا يعرف هل ابنه حي أم ميت، وأخ ينام كل ليلة وهو ينتظر رنين الهاتف، فإن كلمة “مفقود” ليست خبرًا.
إنها حياة معلقة.
إنها عائلة متوقفة عند لحظة واحدة.
إنها أم لا تستطيع أن تبكي ابنها، لأنها لا تعرف إن كان قد مات، ولا تستطيع أن تفرح بعودته، لأنها لا تعرف أين هو.
ومن هنا تأتي أهمية البلاغ الصادر عن فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالمحمدية بتاريخ اليوم 8 غشت 2026، والذي جدد فيه تضامنه المطلق واللامشروط مع عائلات الشباب المفقودين منذ 15 يوليوز، بحسب ما ورد في نص البلاغ الذي توصلنا به.
الجمعية تتحدث عن حوالي 30 شابًا كانوا يعتزمون الهجرة غير النظامية على متن قارب، وتقول إن القارب أبحر، وفق رواية البلاغ، من منطقة تقع بين طرفاية وأخفنير منذ حوالي الساعة الواحدة صباحًا من يوم 15 يوليوز.
ومنذ ذلك التاريخ…
لا جواب شافٍ.
وهنا تبدأ القضية الحقيقية.
المفقود ليس رقمًا في لائحة
أخطر ما يمكن أن يحدث في مثل هذه الملفات، هو أن يتحول الإنسان إلى رقم.
30 شابًا.
ثلاثون اسمًا.
ثلاثون عائلة.
ثلاثون قصة.
ثلاثون بيتًا ربما لا يزال الهاتف فيه، موضوعًا فوق الطاولة، على أمل أن يرن.
ثلاثون أمًا قد تستيقظ كل صباح على السؤال نفسه:
هل عاد ابني؟
ثلاثون أبًا قد يفتح هاتفه ،عشرات المرات بحثًا، عن رسالة لم تأتِ.
ثلاثون أخًا أو أختًا، قد يعيشون بين احتمالين قاسيين:
هل هم أحياء؟ أم أن البحر قال كلمته؟
ولهذا فإن بلاغ الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالمحمدية، لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد بيان عابر، بل باعتباره نداءً حقوقيًا وإنسانيًا يستحق التوقف عند مضامينه، خصوصًا أن الأمر يتعلق بمصير عشرات الشباب وبأسر ما تزال تنتظر معرفة الحقيقة.
ولأن القضية هنا ليست فقط قضية هجرة غير نظامية.
إنها قبل كل شيء قضية إنسان مفقود، وحق أسرة في معرفة مصيره.
الهجرة غير النظامية لا تلغي حق الإنسان في الحياة
وهنا يجب أن نكون واضحين جدًا.
يمكن للدولة أن تجرّم الهجرة غير النظامية وفق قوانينها.
ويمكن للمجتمع، أن يناقش أسبابها ونتائجها.
ويمكن للباحثين، أن يدرسوا لماذا يخاطر الشباب بحياتهم في البحر.
لكن كل ذلك، لا يلغي حقيقة أساسية:
الإنسان يبقى إنسانًا، سواء كان داخل الحدود أو خارجها، وسواء سلك طريقًا قانونيًا أو خاطر بطريق غير نظامي.
ولا ينبغي أن تتحول صفة “مهاجر غير نظامي” إلى جدار يمنع طرح السؤال:
أين هو؟
هذه النقطة بالذات، تجعل بلاغ الجمعية مهمًا، لأنه ينقل النقاش من سؤال:
لماذا حاول هؤلاء الشباب الهجرة؟
إلى سؤال آخر أكثر إلحاحًا:
ماذا حدث لهم؟
والسؤال الثاني لا يمكن تأجيله بحجة الأول.
من الهجرة إلى الاختفاء… أين تبدأ مسؤولية الدولة؟
الهجرة غير النظامية ظاهرة معقدة.
لكن اختفاء أشخاص بعد إبحار قارب، لا يمكن أن يبقى مجرد مأساة خاصة بالعائلات.
عندما يختفي شخص، تبدأ الحاجة إلى البحث.
وعندما يكون عدد المفقودين كبيرًا، تصبح الحاجة إلى البحث أكثر إلحاحًا.
وعندما تمر أسابيع دون أن تعرف الأسر شيئًا واضحًا عن مصير أبنائها، يصبح التواصل الرسمي جزءًا أساسيًا من معالجة الملف.
الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالمحمدية تقول في بلاغها إنها سبق أن وجهت بيانات ونداءات إلى الجهات المعنية، وتستغرب ما تعتبره عدم تفاعل أمني كافٍ مع مطالبها ونداءات الأسر.
وهنا لا ينبغي للصحافة – التي يجب أن تواكب الحدث -، أن تصدر حكمًا مسبقًا.
لكن عليها أن تسأل.
هل فُتح بحث رسمي؟
ما الجهات التي باشرت البحث؟
ما المعطيات التي تم جمعها؟
هل تم تحديد آخر نقطة معروفة للقارب؟
هل تم التواصل مع أسر المفقودين؟
هل توجد معطيات حول احتمال إنقاذ بعضهم، أو وصولهم إلى مكان آخر؟
هل جرى التنسيق مع الجهات المختصة بعمليات البحث والإنقاذ؟
هذه الأسئلة ليست اتهامًا لأحد.
إنها ببساطة الأسئلة، التي تطرح نفسها، عندما تختفي مجموعة من الأشخاص.
والجمعية تطرح ورقة الهاتف
من أكثر النقاط إثارة في البلاغ مطالبة الجمعية السلطات الأمنية المعنية بـاتخاذ التدابير التقنية اللازمة على هواتف المفقودين لتحديد مواقعهم.
وهذه المطالبة، تكشف عن تحول مهم في طبيعة البحث.
ففي زمن الهواتف الذكية، لم تعد عمليات البحث تعتمد فقط على سؤال الشهود أو تتبع المسارات التقليدية.
الهاتف أصبح، في كثير من الحالات، مصدرًا بالغ الأهمية للمعلومات:
آخر موقع معروف.
آخر اتصال.
آخر رسالة.
آخر نشاط تقني.
وغيرها من المعطيات التي يمكن أن تساعد الجهات المختصة، وفق ما يسمح به القانون والإجراءات التقنية والقضائية المعمول بها.
لكن هنا أيضًا يجب الانتباه إلى نقطة مهمة:
المطلوب ليس تحويل التكنولوجيا إلى أداة للتشهير أو انتهاك الخصوصية، وإنما استعمالها، من طرف الجهات المختصة ووفق القانون، للبحث عن أشخاص مفقودين وإنقاذ حياة محتملة أو تحديد مصير مجهول.
وهذا فرق جوهري.
البحر لا يحتفظ دائمًا بالأسرار… لكن الوقت قد يفعل
في مثل هذه الحالات، يصبح الوقت عنصرًا حساسًا.
فكلما طال الانتظار، ازدادت صعوبة الإجابة عن بعض الأسئلة.
وكلما تأخرت عمليات البحث والتحقق، ازدادت معاناة العائلات.
ولهذا، فإن القضية لا تحتاج فقط إلى إعلان:
“نحن نتابع الملف.”
بل تحتاج إلى إجابات واضحة قدر الإمكان.
ماذا فعلنا؟
متى بدأ البحث؟
من شارك فيه؟
ما المعطيات المتوفرة؟
ما الذي تم التوصل إليه؟
وما الذي لا يزال مجهولًا؟
قد لا تكون لدى السلطات كل الأجوبة.
وهذا أمر يمكن، أن يحدث في عمليات البحث عن المفقودين.
لكن حتى عندما لا تكون الإجابة متوفرة، فإن إخبار الأسرة، بما تم القيام به وما لم يتم التوصل إليه، أفضل بكثير من تركها في منطقة رمادية اسمها:
الانتظار.
العائلة لا تطلب المستحيل
عندما تقول الجمعية، إن الأسر تريد معرفة مصير أبنائها، فهي لا تتحدث عن مطلب ترفي.
العائلة لا تطلب امتيازًا.
ولا تطلب معجزة.
إنها تريد معلومة.
هل ابنها حي؟
هل فُقد في البحر؟
هل تم العثور عليه؟
هل وصل إلى مكان آخر؟
هل هناك بحث جارٍ؟
هذه الأسئلة البسيطة، قد تبدو صغيرة بالنسبة إلى مؤسسة كبيرة، لكنها بالنسبة إلى أم أو أب قد تكون كل العالم.
ولهذا فإن حق العائلة في معرفة مصير قريبها المفقود، يجب أن يؤخذ بمنتهى الجدية والحساسية الإنسانية.
المشكلة الأكبر: لماذا يركب الشباب البحر أصلًا؟
لكن حتى لو عرفنا مصير هؤلاء الشباب، تبقى قضية أكبر معلقة.
لماذا؟
لماذا يقرر شاب أن يضع حياته في قارب صغير، وسط بحر لا يرحم، بدل أن يبقى في بلده؟
لماذا يصبح المجهول، أكثر إغراءً من المستقبل الذي يفترض أن يصنعه في وطنه؟
لماذا ينظر بعض الشباب إلى البحر، باعتباره بوابة للخلاص؟
وهنا لا ينبغي أن نكتفي بتفسير سهل من قبيل:
“الشباب يريدون الهجرة.”
لا.
الشاب لا يولد وفي رأسه صورة قارب مطاطي وسط البحر.
هناك سياق اجتماعي واقتصادي ونفسي وتعليمي.
هناك بطالة.
هناك هشاشة.
هناك شعور بالانسداد.
هناك مقارنة مستمرة بين حياة الشباب هنا وحياة الآخرين في الخارج.
وهناك أيضًا أزمة ثقة عندما يشعر الإنسان أن المستقبل مغلق أمامه.
لكن هذه النقطة، لا ينبغي أن تستخدم لتبرير المخاطرة بالحياة.
بل ينبغي أن تكون سببًا، لفهم الظاهرة ومعالجة جذورها.
حين يصبح البحر آخر مشروع للشباب
وهنا نصل إلى السؤال الأكثر إيلامًا:
ماذا يعني أن يصبح البحر مشروعًا؟
أن يجمع الشاب المال.
أن يبحث عن الوسيط.
أن يختار الطريق.
أن يركب القارب.
أن يودع عائلته.
ثم يختفي.
أي مجتمع يريد أن يطمئن على مستقبله، لا يمكنه أن يتعامل مع هذه الظاهرة، كأنها مجرد مخالفة قانونية.
لأن وراء كل محاولة هجرة غير نظامية رسالة اجتماعية.
قد تكون الرسالة غاضبة.
وقد تكون يائسة.
وقد تكون متهورة.
لكنها موجودة.
وإذا اكتفينا بمنع القوارب، دون أن نسأل لماذا يبحث الشباب عن القوارب، فإننا نعالج النتيجة ونترك السبب.
المحمدية تدخل مرة أخرى في قلب مأساة الهجرة
ما يجعل هذا البلاغ ذا حساسية خاصة بالنسبة إلى سكان المحمدية هو أن الجمعية تشير إلى وجود شباب من المدينة ضمن المفقودين.
وهذا يعني أن القضية لم تعد بعيدة جغرافيًا.
إنها تمس أسرًا وأحياء وأصدقاء وأشخاصًا، يعرفون هؤلاء الشباب.
وقد يصبح كل شارع في المدينة يحمل قصة انتظار.
كل هاتف، قد يحمل خبرًا.
وكل أم، قد تعيش على أمل أن يكون ابنها بين الناجين.
ولهذا، فمن الطبيعي أن يكون التضامن المجتمعي واسعًا، وأن تتحول القضية إلى موضوع رأي عام محلي وحقوقي.
لكن الحذر واجب: لا نريد صناعة اليقين من الشائعات
في قضايا المفقودين، هناك خطر كبير اسمه الإشاعة.
رسالة على واتساب، قد تتحول إلى خبر.
شخص، يقول إنه رأى القارب.
آخر، يقول إن الشباب وصلوا.
ثالث، يتحدث عن توقيفهم.
رابع، يؤكد غرقهم.
وفي النهاية، تصبح العائلة أمام عشرات الروايات، ولا تعرف أين توجد الحقيقة.
وهنا تقع مسؤولية كبيرة، على الإعلام والجمعيات وكل من يتحدث في القضية.
لا ينبغي نشر معلومة غير مؤكدة باعتبارها حقيقة.
لأن الخطأ في ملف المفقودين، ليس خطأً إعلاميًا فقط.
قد يكون جرحًا إضافيًا لعائلة، تعيش أصلًا في حالة من القلق.
ماذا تريد الجمعية بالضبط؟
إذا قرأنا البلاغ بعناية، نجد أن مطالبه الأساسية، تدور حول ثلاث نقاط واضحة:
أولًا: تجديد التضامن الكامل مع عائلات المفقودين.
ثانيًا: مطالبة السلطات الأمنية بالاستجابة لنداءات الأسر وتمكينها من المعلومات المتعلقة، بمصير أبنائها وبنتائج البحث.
ثالثًا: المطالبة باستعمال الوسائل التقنية المتاحة، لتحديد مواقع المفقودين، في حدود ما يسمح به القانون.
وهذه المطالب، في جوهرها، لا تقول:
“أعطونا جوابًا بأي ثمن.”
بل تقول:
“ابحثوا، أخبرونا، ولا تتركوا العائلات وحدها أمام المجهول.”
وهذا هو جوهر البلاغ.
السؤال الذي يجب ألا يضيع في الطريق
ربما يكون السؤال الأهم الآن:
هل هناك بحث جارٍ بالفعل؟
إذا كان الجواب نعم، فإن من حق الأسر أن تعرف، بالقدر الممكن قانونًا، ما الذي تم إنجازه.
وإذا كانت هناك عوائق تقنية أو قانونية أو ميدانية، فمن حق العائلات أن تعرف ذلك أيضًا.
وإذا كانت بعض المعلومات ،غير قابلة للنشر لأسباب مرتبطة بالتحقيق، فمن الممكن شرح ذلك، دون كشف ما قد يضر بالبحث.
المهم، هو ألا تتحول العائلات إلى آخر من يعلم.
من حق الأسر أن تعرف… ومن واجب المؤسسات أن تبحث
لسنا هنا، أمام معركة بين الجمعية والسلطات.
ولا ينبغي تحويل القضية إلى مواجهة سياسية.
هناك شيء أهم من ذلك كله:
حياة بشر ومصير أسر.
إذا كانت هناك جهود مبذولة، فلتظهر نتائجها أو معطياتها.
وإذا كانت هناك تحقيقات، فليُعرف أنها مستمرة.
وإذا كان هناك قصور، فليُعالج.
وإذا كانت هناك معلومات لا تزال مجهولة، فليُقل إنها مجهولة.
فالاعتراف بعدم معرفة شيء، أفضل من تقديم أجوبة غير دقيقة.
والسؤال الحقيقي ليس: لماذا هاجروا؟
السؤال الثوري الحقيقي هو:
لماذا وصلوا إلى مرحلة أصبح فيها البحر، بكل مخاطره، يبدو لهم أقل رعبًا من المستقبل؟
هذا السؤال يجب ألا يخيفنا.
بل يجب أن يدفعنا إلى التفكير.
لأن معالجة الهجرة غير النظامية، لا تبدأ فقط عند الشاطئ.
إنها تبدأ في المدرسة.
وفي سوق الشغل.
وفي الحي.
وفي الأسرة.
وفي الإدارة.
وفي العدالة الاجتماعية.
وفي قدرة الشاب على أن يرى لنفسه، مستقبلًا محترمًا داخل وطنه.
الخلاصة: لا تتركوا العائلات وحدها في العتمة
بلاغ الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالمحمدية، ليس مجرد بيان تضامني آخر.
إنه جرس إنذار حقوقي وإنساني بشأن ملف تقول الجمعية، إنه يتعلق بحوالي 30 شابًا انقطعت أخبارهم منذ 15 يوليوز 2026، بينهم شباب من المحمدية ومدن أخرى.
لكن علينا أن نحافظ على الدقة:
مصير هؤلاء الشباب لا ينبغي أن تحسمه المنشورات ولا التخمينات ولا مواقع التواصل الاجتماعي.
الجهة القادرة على تقديم المعطيات الرسمية، هي الجهات المختصة التي يفترض أن تقوم بالبحث والتحقق.
وفي المقابل، فإن الأسر، ومن حقها الطبيعي والإنساني، لا ينبغي أن تبقى معلقة إلى ما لا نهاية.
لأن أسوأ شيء يمكن أن يحدث للإنسان ليس فقط أن يفقد شخصًا يحبه…
بل أن لا يعرف هل فقده أصلًا أم لا.
وهنا يصبح الانتظار عقوبة أخرى.
لذلك، فإن الرسالة التي يحملها بلاغ الجمعية واضحة:
ابحثوا عن المفقودين.
استخدموا كل الوسائل القانونية والتقنية المتاحة.
أخبروا الأسر بما تم التوصل إليه.
ولا تسمحوا، بأن يتحول مرور الزمن إلى وسيلة لدفن القضية.
أما السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحًا، ليس فقط أمام السلطات، وإنما أمام المجتمع كله، فهو:
كيف وصلنا إلى زمن يصبح فيه قارب متهالك في عرض البحر، أكثر إقناعًا لشاب من وطنه ومستقبله؟
فإذا عثرنا على الجواب عن هذا السؤال، ربما نكون قد بدأنا فعلًا في إنقاذ شباب آخرين، قبل أن يصبحوا أرقامًا جديدة في قائمة المفقودين.




