45 مليون درهم في المنصورية.. ميزانية تُشيَّد فيها الجدران وتُؤجَّل فيها حياة الإنسان!

ضربة قلم
في وقت أصبحت فيه الأرقام تُقدَّم كدليل على “الإنجاز”، تكفي نظرة واحدة على ميزانية جماعة المنصورية لدورة أبريل، حتى يشعر المتتبع أنه أمام مشروع تنموي ضخم… أو هكذا يبدو من بعيد. أكثر من 45 مليون درهم، رقم قادر على إحداث نقلة نوعية في جماعة لا يتجاوز عدد سكانها، وفق الإحصاء العام لسنة 2024، حوالي 29 ألف نسمة. رقم يغري بالتفاؤل، ويدفع إلى طرح سؤال بسيط: هل نحن أمام ورش حقيقي، يلامس حياة المواطن اليومية، أم أمام توزيع ذكي للأرقام، يُرضي التقارير أكثر مما يُرضي الواقع؟
حين نقترب قليلاً من تفاصيل هذه الميزانية، يبدأ المشهد في فقدان بريقه. أول ما يستوقفك هو تخصيص 15 مليون درهم لشراء الأراضي. قد يبدو الأمر استثماراً استراتيجياً، لكن المواطن البسيط، الذي ينتظر تحسين طرقه وخدماته الصحية والتعليمية، قد يتساءل ببراءة: ومتى سنرى نتائج هذا الاستثمار؟ هل سنسكن هذه الأراضي قريباً، أم أنها ستظل مجرد أرقام محفوظة في الرفوف؟
بعدها مباشرة، نجد 4.3 مليون درهم لتشييد مقر الجماعة. وهنا تتضح الأولويات: الإدارة أولاً. وكأن الرسالة غير المعلنة هي أن تحسين ظروف العمل داخل المكاتب، يسبق تحسين ظروف العيش خارجها. لا بأس أن ينتظر المواطن، المهم أن تكون الكراسي مريحة والمكاتب لائقة!
ثم ندخل إلى لائحة التجهيزات: سيارات، أثاث، عتاد معلوماتي وتقني، معدات كهربائية… وكأن الجماعة تستعد لإطلاق مشروع مقاولاتي حديث، لا لتدبير شؤون ساكنة، تنتظر حلولاً ملموسة. حتى بند 200 ألف درهم لإصلاحات كبرى للسيارات يبدو مثيراً للتأمل: سيارات تُصلَح بانتظام، بينما بعض المرافق تنتظر إصلاحاً منذ سنوات.
وعندما نصل إلى المشاريع ذات الطابع الاجتماعي، تبدأ المفارقات في الظهور بوضوح. مشروع التأهيل الحضري بـ4.5 مليون درهم، عنوان واسع وفضفاض، يمكن أن يعني كل شيء… أو لا شيء محدد. ثم 500 ألف درهم لتهيئة وصيانة الملاعب، وهي خطوة إيجابية، لكن لا يسعنا إلا أن نبتسم حين نقارنها ببعض الأولويات الأخرى.
أما المفارقة التي تستحق التوقف، فهي تخصيص 500 ألف درهم لتهيئة فضاء لإيواء الكلاب والقطط، في مقابل مكتب صحي لم يُستكمل بعد رغم تخصيص مليون درهم له، في إطار “تكملة”. هنا يصبح المشهد أكثر وضوحاً: الحيوان حظي بمشروع واضح ومحدد، بينما الإنسان، ما زال ينتظر استكمال حقه في خدمة صحية أساسية.
ولا تتوقف اللائحة عند هذا الحد:
حافلة للنقل المدرسي، تأهيل مؤسسات التعليم، تجهيز دار الثقافة… كلها نقاط إيجابية نظرياً، لكنها تبقى موزعة في سياق عام يفتقر إلى وضوح الأولويات. ثم نصل إلى 4 ملايين درهم لبناء مسجد مركزي، وهو مشروع مهم، لكنه يأتي ضمن سلسلة من المشاريع التي تُنفَّذ بكاملها، في حين تبقى أخرى عالقة في خانة “التكملة”.
أما الأسواق، ومشاريع الوقاية من الفيضانات، والمساهمة في شركة التنمية المحلية، فهي عناصر تُكمل صورة ميزانية تبدو شاملة على الورق، لكنها تثير سؤالاً جوهرياً: هل هناك رؤية متكاملة، أم مجرد تجميع لمشاريع متفرقة؟
وفي النهاية، يظهر بند 2.7 مليون درهم لتغطية الاعتمادات بميزانية التسيير، وكأنه اعتراف ضمني، بأن جزءاً من الميزانية مخصص فقط لسدّ الثقوب، لا لبناء مستقبل متماسك.
الخلاصة، وبعيداً عن لغة الأرقام الجافة، أن ميزانية المنصورية تعكس مفارقة واضحة:
هناك أموال… لكن أثرها على حياة المواطن، غير واضح بما يكفي.
هناك مشاريع… لكن ترتيب أولوياتها، يثير أكثر من علامة استفهام.
وكأننا أمام فلسفة غير معلنة تقول:
نبني كثيراً… نُجهِّز أكثر… لكننا نؤجل الأساس.
ويبقى السؤال معلقاً، ليس فقط على طاولة المجلس، بل في ذهن كل مواطن:
هل ستتحول هذه الملايين إلى واقع ملموس يُحسّن الحياة اليومية؟
أم ستظل مجرد أرقام أنيقة، تُقرأ كل سنة بنفس الحماس… وتُنسى بنفس السرعة؟




